عالمة ، لوجب أن يكون كلّ واحد من الأمرين مقتضيا لصاحبه .
وأمّا الذي له قلنا : « إنّ الفعل المحكم لا يدلّ على العلم » ، فهو إنّ الفعل المحكم إنّما يقع في الشاهد من الجملة دون أبعاضها ، فيجب على أمر يختصّ به الجملة ، وليس واقع من العلم ولا من محلّ العلم فيدلّ عليه ، وإذا كان وجود العلم مقصورا على بعض الجملة ، لم يكن الفعل دالّا عليه .
وأيضا : فإنّ العقل دالّ على أنّ من صحّ منه يختصّ بمفارقة ليست لمن تعذّر منه ، والمفارقات قد تكون للمعاني وقد تكون لغيرها ، فكيف تجعل ما يقتضي المفارقة المطلقة مقتضيا لكيفيّة فيها ؟
وأيضا : فإنّ الفعل المحكم إذا كان دالّا على كون من صحّ منه عالما ، لم يجز أن يدلّ مع ذلك على العلم ؛ لأنّ الدليل إنّما يدلّ على أمرين مختلفين من وجهين ، وإذا كان وجهه واحدا ، لم يجز أن يدلّ إلّا على أمر واحد ولذلك الفعل بمجرّده ، على أنّ فاعله قادر ، وبأحكامه له يدلّ على أنّه عالم .
وأمّا الدليل على الأصل / 42 / الثاني : فهو أنّ القول بخلاف ذلك يؤدّي إلى كلّ جهالة ، وإلى أن يجوز أن يكون في الجسم معان كثيرة سوى ما عقلناه بالدليل ، وإلى أن لا ينفى بالعلل ولا بالأسباب ولا بالتضادّ بين المتضادّات ، وفساد ذلك ظاهر .
وليس هذا ممّا عيبناه على البغداديين لمّا استدلّوا على نفي قديم ثان ، بأنّه لو كان موجودا لكان في الفعل دلالة عليه ، وإنّما لمّا لم يكن في الفعل ما يدلّ على ثان وجب نفيه .
والفرق بين الأمرين أنّ الفعل يقع باختيار الفاعل ، وقد يجوز أن لا يختاره ، فلا يدلّ عليه ، ولا يجب أن يحكم بنفي العلم « 1 » من حيث انتفى الفعل ، والعلم موجب لكون الذات عالمة ، وإثباته إنّما يكون بما يصدر عنه من الصفة أو الحكم ، فلا يجوز أن ينفكّ ممّا يدلّ على إثباته ؛ لأنّه لا يتعلّق باختيار مختار ، فمتى فقدنا ما يدلّ عليه وجب القضاء بنفيه .
وقد يرتب هذا الدليل على وجه آخر فيقال : قد ثبت أنّ تجدّد الصفة مع جواز ألّا يتجدّد
هامش
( 1 ) . في الأصل : العادل .