ولأنّهما أيضا ينتفيان بضدّ واحد . ألا ترى أنّا لو قدّرنا حصول هذين العلمين لعالم واحد ، ووجد الجهل المتعلّق بالعكس من متعلّقهما ، لوجب انتفائها معا به ، ؟ والشيء الواحد لا يجوز أن ينفي شيئين مختلفين غير متضادّين ، وإنّما ينفي المثلين أو الضدّين ، وإذا لم يجز أن يكون هذان العلمان ضدّين ، وجب أن يكونا مثلين .
فإن قيل : ومن أين صحّة ما ذكرتم من أنّهما يوجبان صفتين متماثلتين ؟
قلنا : لأنّ هاتين الصفتين لو اختلفتا ، لم يكن إلى اختلافهما طريق إلّا اختلاف حكمهما ، وكان الحي يفصل بينهما ، كما يفصل بين صفاته المختلفة ، ككونه مريدا ومعتقدا ، ولا شبهة في أنّ حكمهما غير مختلف ، ولذلك أحدنا يجد نفسه إذا كان عالما بأحد هذين العلمين على مثل ما يجد غير نفسه إذا كان عالما بالعلم الآخر ، ولا نجد مثل ذلك / 41 / إذا كان مريدا وغيره معتقدا .
فإن قيل : ألا اعتبرتم في تماثل هذين العلمين أن يتعلّقا بعلم واحد ؟
قلنا : لو كان لمثل ذلك اعتبار ، لوجب أن لا يتماثل السوادان مع تغاير محلّهما ، وقد علمنا أن لا فرق في وجوب تماثلهما بين أن يكون محلّهما واحدا أو متغايرا ، ألا ترى أنّ الالتباس على المدرك الذي كان طريقا لنا إلى تماثل السوادين حاصل في الوجهين ؛ لأنّ السوادين يلتبسان والمحلّ واحد ، وإذا ثبت أنّ تغاير المحلّين لا يؤثّر في التماثل ، ثبت ذلك في تغاير العالمين ؛ لأنّ حكم الحمل مع المعاني المختصّة بها حكم المحال مع المعاني المختصّة بها ، على أنّ العلمين إذا لم يتعلّقا بعالم واحد ، فإنّما افترقا في كيفيّة الوجود ، ومثل ذلك لا يؤثّر على الحقيقة في الاختلاف ، بل يجري مجرى أن يكونا موجودين في وقتين ، ومعلوم أنّ ذلك لا يقتضي اختلافهما ؛ لأنّه لو اقتضاه لوجب أن يكون الشيء مخالفا لنفسه إذا لم يوجد في وقت ووجد في غيره .
على أنّ الأجناس المختلفة قد تشترك في كيفيّة الوجود ، ولا يوجب ذلك تماثلها ، فوجب صحّة ما ذكرناه من تماثل هذين العلمين ، وإن تعلّقا بعالمين .
فإن قيل : وما الدليل على صحّة ما ادّعيتموه في جملة كلامكم ، من أنّ الشيء الواحد لا ينفي شيئين مختلفين غير متضادّين ؟
الملخص في أصول الدين — صفحة 175
مساهمون: الشريف المرتضى
ص١٧٥