في القدم المستحقّ للنفس ، ويقتضي ذلك الاستغناء بمعنى واحد منها عن جميعها ، وهذا إن جاز جاز الاستغناء بذاته عن جميع المعاني .
وهذا الكلام لا بدّ فيه من بيان أصول :
أوّلها : إنّه تعالى مخالف لغيره .
وثانيها : إنّه إنّما يخالف ما يخالفه بكونه قديما .
وثالثها : إنّ ما شاركه في هذه الصفة يجب أن يكون مثلا له ومشاركا في سائر صفات نفسه ، وإنّه يستحيل على الذاتين أن يتّفقا من وجه ويختلفا من آخر .
ورابعها : كيفية لزوم ما ذكرناه من الكلام لهم .
فأمّا الكلام على الأصل الأوّل : فإنّه تعالى مخالف لغيره ، وظاهر أنّه معلوم أنّ كلّ ذاتين لا بدّ فيها من أحد أمرين :
إمّا أن يكون كلّ واحد منهما يسدّ مسدّ « 1 » الأخرى فيما يرجع إليها ،
أو لا يكون كذلك .
والأوّل : هو الحكم الذي يعبّر عنه بالتماثل .
والثاني : هو الذي نسمّيه المخالفة .
وقد ثبت إنّ القديم تعالى يجب له من الصفات ؛ لكونه قديما وعالما وقادرا وحيّا ما لا يجب لغيره ، ويستحيل عليه من الصفات كالتحيّز والحلول ، [ و ] أن يكون في جهة ، إلى غير ذلك ممّا لا يستحيل على غيره ، فيجب أن يكون مخالفا لغيره ؛ لأنّه ليس معنى الخلاف أكثر ممّا ذكرناه .
وأمّا الكلام على الأصل الثاني : فهو إنّه إذا ثبت كونه تعالى مخالفا لغيره ، لم يخل من أن يخالفه بكونه ذاتا ، أو لوجود معنى وإن لم توجد له صفة ، أو لاختصاصه بصفة ؟
وإنّما قلنا ذلك ؛ لأنّه لا بدّ ممّا ذكرناه ، من حيث لا يصحّ أن يخالف ما يخالفه لا لوجه ؛ لأنّ ذلك يقتضي أنّه ليس بأن يكون مخالفا أولى من أن يكون مماثلا .
والذي يدلّ على أنّه لم يخالف بكونه ذاتا ، أنّ مخالفه أيضا ذات ، وليس يجوز
هامش
( 1 ) . في الأصل : يسدّه سدّ .