نفسه في سائر الأحوال على الحاجة التي يجدها عند إدراكه المدركات من الأصوات والأشخاص وغيرها ، وقد علمنا « 1 » خلاف ذلك .
وأيضا : فإنّه يكون حيّا يصير كالشئ الواحد ، وهذه الصفة هي التي تجعل الجملة جملة ، وكونه مدركا لا حظّ في ذلك .
وأيضا : فإنّه يحتاج في كونه مدركا لمدركات مختلفة كالسمع والبصر وغيرها ، ولا يحتاج في كونه حيّا إلى شيء من ذلك .
فأمّا الذي يدلّ على أنّ صفة المدرك مخالفة لصفة القادر ، أنّه يقدر على ما لا يدرك كالاعتقادات والإدراكات والأكوان وغيرها ، ويدرك ما لا يقدر عليه كالألوان والطعوم والجواهر .
[ و ] أيضا : فإنّ القدرة لا تتعلّق إلّا بالمعدوم ، وإذا وجد بطل تعلّقها به ، والإدراك لا يتعلّق إلّا بالموجود ، وإذا عدم لم يتعلّق به .
وأيضا : فإنّ صفة القادر يقع فيها التفاوت والتزايد « 2 » ، والإدراك لا يتزايد فيه .
وأيضا : فإنّ القدرة يخرج بها الشيء من العدم إلى الوجود ، والإدراك يتعلّق بالشيء على ما هو به ، ولا يجعله على شيء من صفاته .
فأمّا إثبات الإدراك صفة زائدة على كون المريد مريدا ، فهو أنّه يريد ما لا يدرك ومدرك ما لا يريد ، وكذلك القول في الإرادة والشهوة والنفرة ، فوضح بهذه الجملة أنّ كون المدرك مدرك صفة زائدة على جميع صفاته المعقولة .
وأمّا الذي يدلّ على أنّ المقتضى لهذه الصفة كونه حيّا ، أنّه قد ثبت أنّ أحدنا إذا كان حيّا ووجد المدرك وارتفعت الموانع والآفات وصحّت حواسّه ، فلا بدّ من كونه مدركا ، فلا يخلو من أنّ المقتضى لكونه مدركا هو وجود المدرك أو وجود معنى هو الإدراك وارتفاع الآفات والموانع ، أو صحّة الحاسّة ، أو كونه حيّا بشرط ما ذكرناه .
ولا يجوز أن يكون وجود مدرك « 3 » مقتضي لهذه الصفة ؛ لأنّه كان يؤدّي إلى استحالة كونه مدركا ، كالذاتين المتضادّين في حالة واحدة ، كالسواد والبياض وما أشبههما ، من
هامش
( 1 ) . في الأصل : علم بنا .
( 2 ) . في الأصل : الزائد .
( 3 ) . في الأصل : وجوده مدرك .