أنّ النائم لو علم أنّ ما يدركه ، لما تخيّل له في الصوت الذي يسمعه أنّه شيء يراه في منامه ؟ ولو وجب أن يكون النائم يعلم في حال نومه جميع ما كان [ لكان ] يقظان ، وقد علمنا خلاف ذلك .
والذي يدلّ أيضا على ما ذكرناه ، أنّ أحدنا قد يعلم الألم في جسم غيره ، فلا يألم به من كان في جسمه من حيث أدركه ، فلو كان الإدراك لا يزيد على العالم ، لوجب أن يستوي حال من ذكرناه في الحال أو بعده من حيث الاستواء « 1 » في العلم .
وليس لأحد أن يقول : إنّ الذي يحلّ جسمه الألم عليلا مع نفور نفسه عنه ، فلهذا ألمّ به ، وذلك أنّ النفور حاصل في العالمين جميعا . ألا ترى أنّ أحدنا مع نفوره عن الألم لا يتألّم « 2 » بعلمه في جسم غيره من الألم ، والاشتراك في النفور كالاشتراك في العلم ، وحالتها مختلفة ، فلولا حصول موته بالإدراك لم يجب ذلك .
وليس لأحد أن يقول : إنّ اختلاف الحال « 3 » بين المدرك للألم « 4 » في جسمه والعالم به وبين من يعلم ذلك في جسم غيره إنّما هو لاختلال طريق العلم ، لا لحال زائدة على العلم ، كما أنّ أحدنا يفرّق بين كونه عالما بالشيء ضرورة وبين كونه عالما بالاستدلال .
وذلك أنّ اختلاف طرق العلم وجهات حصوله لا يؤثّر فيما « 5 » يجده العالم من نفسه ، ولا يقتضي اختلاف حاله ، ولو لم يكن لمن أدرك الألم في جسمه وعلمه حالة زائدة على حاله إذا علمه حالّا في غيره ، لما وجد هذا الفرق الذي أشرنا إليه ؛ لأنّ الحيّ إنّما يجد نفسه على ما يختصّ به من الصفات ولغير أحواله ، دون ما ليس له هذا الحظّ « 6 » ، واختلاف طريق العلم إذا كان لا يتعلّق بالحيّ ولا يوجب له صفة ، فكيف يستدلّ الفرق الذي من نفسه إليه ؟
اللّهمّ إلّا أن يدّعى أنّ الحيّ بهذا الاختلاف قد حصلت له صفة ترجع إليه زائدة ، فيكون وفاقا في المعنى وخلافا في العبارة .
على أنّه يمكن أن يقال في كلّ صفتين مختلفتين من صفات الحيّ يجد نفسه عليهما شواهد ، فيقال : إنّ كونه مريدا يرجع في المعنى إلى كونه معتقدا ، وإنّما يجد الفرق
هامش
( 1 ) . في الأصل : استواء .
( 2 ) . في الأصل : + لا .
( 3 ) . في الأصل : + و .
( 4 ) . في الأصل : الألم .
( 5 ) . في الأصل : فيها .
( 6 ) . كذا في الأصل .