فصل في بيان ما يحسن من الدعاء والمسألة للّه سبحانه ، وما يتصل بذلك
إذا ثبت أن الدعاء والطلب لا يكون كذلك إلا بالإرادة ، فيجب أن يعتبر في حسنه حسن الإرادة ، وقد ثبت أن إرادة القبيح قبيحة ، فلا يحسن من العبد أن يطلب من اللّه تعالى ما يقبح فعله ، ولذلك قلنا إنه لا يحسن من الكافر أن يطلب منه سبحانه الثواب ، وكذلك لا يحسن منه ومن الفاسق التقرب على ما بيناه من قبل ، وسائر ما يقبح فعله على الحد الّذي تناوله الدعاء فحكمه ما قدمنا .
وقد بينا أن ما يطلب بالدعاء ، لا يكون إلا من فعله تعالى ، وأن الّذي يطلبه يرجع إلى المنافع ، وأن ما لا يعلم من ذلك قبيحا يجوز أن يكون مفسدة . فلا بد من أن يكون الداعي والسائل مريدا لذلك ، بشرط أن لا يكون مفسدة ، وإلا جوز كونه مريدا لقبيح ، وما حل هذا المحل من الإرادات لا يكون إلا قبيحا ، ولذلك قلنا إن هذا الشرط إذا لم يقترن بالدعاء ، إما ظاهرا وإما مضمرا ، فالدعاء يقبح فضلا عن أن يكون مقبولا ومجازا ، لأن الدعاء إنما يوصف بذلك متى وقع على وجه يحسن ، ويكون الدعاء ممن يستحق طريقه المدح ، ولا يكون كذلك مع قبحه .
ولما كان الغرض بما يفعله من الدعاء حصول النفع الّذي يطلبه أو دفع الضرر ، لم يحسن أن يدعو بما يعلم أنه / تعالى لا يفعله ، فكذلك لا يحسن من أحدنا أن يسأل اللّه رجعة الموتى لنفرح بهم ، ولا غفران الكافر والفاسق ، ولا يخرج عن هذه الجملة إلا الدعاء بإزالة عقاب الداعي نفسه ، وأنه لا يمتنع أن يحسن ذلك منه ، وإن كان فاسقا لما كان في حكم الملجأ إلى طلب ذلك فمتى تناول الدعاء ما يكون نقصا للداعي وما يجوز كونه وحصوله ، وما يحسن منه ، فالدعاء يحسن ؛ ومتى لم يكن هذا حاله فلا بد من أن يقبح على ما قدمناه .