وإن كان يصلح للأمر ، أن يتصرف في ذلك ، إلا على حسب ما يتصرف لحكم برضا المتنازعين . واعتلّا في ذلك بأن توليه من قبل الباغي لا يحل لأنه يوهم أن له أن يولى ، وأن له أن يقوم بذلك ، لأن التولية فرع على جواز القيام . وكذلك لا يجوز أن يولى الحكم من لا يجوز أن يحكم . فإذا لم يكن له القيام به لم يجز للمتولى من قبله ذلك ، وهما علتان :
إحداهما تقتضى أن التهمة إذا كانت زائدة فله ذلك ، لأن الاتهام ، إنما يكون له حكم ، إذا لم يكن في الحال ما شهد بخلافه .
والعلة الأخرى تقتضى أن لا يجوز أن يحكم على كل حال ، إذا جعل حكمه في الجواز تبعا بحكم من ولاه .
فأما / الفقهاء فكثير منهم يمنع من ذلك ويجعل التولي من قبلهم كلا تول ، وأنه ليس له أن يقوم بشيء مما يختص به الإمام .
ومنهم من يقول : إذا كان المتولى عادلا صالحا للأمر ، أو ولاه الإمام فيجب إذا ولاه الباغي ، أن يكون له أن يقوم بذلك . واختلفوا ، فمنهم من يجعل العلة في أنه في نفسه مستصلح للأمر وقد جعل التولي من قبل الباغي وصلة وطريقا . ومن يقول بهذه العلة يلزمه أن يقول إذا تمكن من ذي قبل ، فله أن يقوم بالأحكام ، إذا تعذر وجود الإمام . ومنهم من يقول بذلك ويستمر على القياس .
والعلة الثانية : أن يقال إن الباغي ، وإن كان تصرفه فاسدا فقد حل محل تصرف العادل . ويستدل على ذلك بما روى عن الشعبي والزهري في باب الدماء والأموال التي تلفت في الفتنة ، أنهم كانوا يقولون ، وأشار بذلك إلى كل من في الزمان ، أنه لا قود فيه ولا تبعة . قالوا : فجعل الواقع من الباغي في أنه لا يلزم ذلك بمنزلة الواقع من العادل فكذلك القول في الولاية ، وهذا التعليل يوجب عليه أن يكون للباغى أن يحكم بمثل ما يحكم من يتولى من قبله .
المغني في أبواب التوحيد والعدل — صفحة 162
مساهمون: القاضي عبد الجبار الهمذاني
ص١٦٢