وأما إذا قيل : ليس له ذلك ، وإذا فعله سد مسد الإمام ، وذلك لا يمتنع ، كما لا يمتنع في القبح في بعض الأحوال ، إن سد مسد الواجب في الأفراد ، وقد تقدم القول في هذا الباب .
وبعد ، فلو كان لسائر الناس القيام بذلك ؛ لحل محل سائر حقوقهم المشتركة ، ولحل محل النهى عن المنكر . فكان يجب على هذا ، أن يجوز للفاسق ، الّذي لا يؤتمن على هذه الأمور ، وللجاهل الّذي ليس معه آلة الجهاد ، أن يقوم بذلك .
فإذا بطل ذلك ، لأنه متى ارتكبه مرتكب ، لم يمكنه أن يثبت أن العدالة شريطة فيمن يقوم بهذه الأمور دلالة على صحة ما ذكرناه في هذا الباب .
ولولا صحة ما ذكرناه ، لم يمكن التفرقة بين الحاكم والحكم . بل كان يجب أن يكون للحكمين قبل الرضا بهما ، أن يقوما بالأمر ، وأن لزم قولهما .
ولوجب مثله في الحاكم قبل أن ينصب حاكما ، وبطلان ذلك يبين صحة ما قدمناه .
واعلم : أن الإمام قد نصب لتدبير خاص وعام في النفوس والأموال وما يتبعهما ولا فرق فيما يتصل بذلك من الدين أو الدنيا في أن له مدخلا فيه .
وقد بينا أن العاقل المميز هو أملك بتدبير نفسه وماله في اجتلاب المنافع إليها ودفع المضار عنها . فلا مدخل للإمام في هذا الباب .
فيجب أن يكون له مدخل فيما لا يشتغل بتدبير نفسه ، ومن هذا حاله على ضربين :
أحدهما لا يشتغل بذلك ، لأن صفته مباينة لصفة من يشتغل بذلك . وذلك كالصبي والمجنون ومن لا تمييز له أصلا .
والثاني أن لا يشتغل بذلك لمنع أو حيلولة ، وذلك كمن غاب عن ماله ، أو منع منه .
فللإمام مدخل في حفظ كلا المالين ، وله مدخل في حفظ النفوس . لأن من يشتغل بنفسه فالإمام يحفظه ، وإنما يجب ذلك على الإمام إذا لم يكن هناك أولى منه
المغني في أبواب التوحيد والعدل — صفحة 157
مساهمون: القاضي عبد الجبار الهمذاني
ص١٥٧