فصل في أنه لا بدّ في خطابه تعالى من فائدة ومراد ، وما يتصل بذلك
قد بينا من قبل أنه لا يجوز منه تعالى ، وقد خاطبنا بلغة مخصوصة ، وبكلام يتضمن الأمر والنهى ، والوعد والوعيد ، إلا ويريد بذلك أمرا ما ، وإلا كان عابثا ، وكان لا ينفصل حال الخطاب من حال أصوات الرعد ، ومن حال سائر اللغات التي لا يفهمها من يوجه الخطاب إليه ، إلى غير ذلك مما تقدم ذكره .
وبينا أن المتشابه كالمحكم في أن فيه فائدة . وبينا بطلان ما يسألون عنه من لفظة « 1 » وغير ذلك ، فأما ما يقولون من أنه تعالى خاطب بذكر الروح ولم يرد به أمرا ما ، وكذلك قال :
« وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ ، قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي »
فجوابه أنه قد بين ما الروح وبين أنهم سألوه عنه / ومعلوم أنهم لم يسألوه عن الأمر المعلوم عندهم ، فلا بد من أن يكونوا سألوه عن بعض أحواله ، وهذا كله معلوم ؛ هذا إن أريد بالروح ما يتردّد في جسم الحي ، فأما إن أريد به جبريل فقد بين ذلك ، وكشفنا القول في ذلك ، ولم نقل : إنه تعالى يجب أن يريد بكلامه ما لا يتضمنه الكلام ، وإنما يجب أن يريد به ما يتضمنه الكلام ، أو ما يقتضي الصلاح أن يريده ويدل عليه ، ففيه ما يجب ذلك في جملته ، وفيه ما يجب في تفصيله ، على ما سنبنيه من بعد .
هامش
( 1 ) الكلمة سائلة المداد وأقرب ما يمكن أن تقرأ به « الاسعراق » لولا أنها بغير ألف بعد الراء .