فصل في بيان أصول القياس
/ قد بينا أنه لا بدّ في القياس من أصل ، والّذي يحصل من الخلاف في ذلك ليس إلا أحد مذهبين ؛ أما القول بأن الأصل هو الحكم الثابت بالشرع ؛ أو يقال :
إنه الدلالة الواردة من كتاب أو سنة أو إجماع ؛ فالأوّل طريقة من يحصل من الفقهاء ، وإن كان فيهم من يبعد عن التحصيل فيقول : إن الأصل في الربا البر أو الحكم الواقع .
وكلام شيوخنا المتكلمين ، يدل على أن الأصل في ذلك الدلالة لأنها المعتبرة في باب القياس ؛ فيقال : ما الّذي أراده ، صلى اللّه عليه ، بقوله : البر بالبر ربا ؟
هل أراد تعلق الحكم بالاسم ، أو ببعض الصفات ؟ . فإذا علم تعلقه ببعض الصفات فليس عليه ؛ وغير بعيد الجمع بين المذهبين ؛ فيقال : لا بدّ من اعتبار الحكم الّذي ورد به الدليل ، كما لا بدّ من اعتبار نفس الدليل ؛ والدليل بانفراده لا يقتضي القياس ، حتى ينضاف إليه الدلالة الدالة على صحة القياس ، وبيان طريقه ؛ فلا بدّ من كل ذلك ؛ فإذا وجب ذلك ، فإن كان الأصل هو الدليل فلم صار هو الأصل دون ما دل عليه إثبات القياس ؟ وهذا يبين أن الأولى في ذلك أن يكون الأصل ما ثبت بالدليل من الحكم ، لأنا لو لم نعلم إلا الحكم ، وعلمنا الدلالة على الجملة أو التفصيل ، أو لم نعلمها ، وقد ثبت / صحة القياس لصح القياس على ذلك ؛ ولو حصلت الدلالة ولم يعلم الحكم المعتبر ، بأن يكون جملة دون تفصيل لما صح القياس .