وقد زعم بعض المتأخرين : أن دليل نفى القياس وقوع الغنى عنه ؛ وذلك أنه لا حادثة إلا وعليها دليل قائم ؛ وإنما يحتاج إلى القياس فيما لا دليل عليه ، من جهة النص ، فيجب بذلك القضاء بفساده - هذا هو الّذي حكينا أن بعض من يثبت القياس تطرق به إلى إثباته بأن قال : في أحكام الفروع الشرعية ما لا دليل عليه نصا ، ولا بدّ من طريق معرفة ؛ وليس ذلك إلا بالقياس ، فيجب إثباته ؛ وعند ذلك تقع المنازعة بين هذا المستدل ، وبين ذلك الطاعن في أحكام الفروع :
هل عليها أدلة من جهة النصوص ، أو ذلك متعذر ؟ فيصير الكلام في أعيان المسائل ، وما حل هذا المحل لا يصح التعلق به في الأصول ؛ لأن بيان صحته لا يمكن إلا بتصفح الفروع .
وبعد . . فإن بيان الحكم بدليل لا يمنع من صحة طريقة أخرى في الدلالة ؛ لأنه قد تدل على الحكم أدلة ؛ فكيف يصح التعلق بمثل هذا ! !
وبعد . . فإن إجماع الصحابة يقضى على هذا القول بالفساد ، لأنهم تنازعوا في أحكام مسائل ، ولم يذكروا مع اختلافهم فيها إلا طريقة القياس / إما جملة ، وإما مفصلا ، وذلك يبطل ما قاله « 1 » . . . . . . ذكر جملا مما يتعلقون به ، ثم قال :
لأنا قد دللنا على أن التعبد كما قد يتعلق بالعلم فقد يتعلق بغالب الظن ، في العقل والشرع ، وإن الأكثر من التعبد متعلق بذلك دون العلم .
فإن قيل : أليس قد يتعلق الحكم بالشك ، ولم يوجب ذلك كون طريقة الشك ، أو ما يقتضي ذلك دلالة ؛ فهلا وجب مثله في غالب الظن ؟
قيل : إنا لم نقل إن كل طريق يتعلق به الحكم فهو دليل ؛ وإنما قلنا :
إن الدليل قد يكون دليلا على وجه يتبع العلم ، ولو كان الشك طريقة كان لا يمنع من
هامش
( 1 ) بياض صغير بالأصل ، ينقطع به السياق نسبيا ، وإن استمر الكلام في القياس وما يتصل به .