وربما طعنوا في إثبات القياس بأنه : لو كان دليلا لوجب كونه دليلا في تثبيت كل الأحكام كالكتاب والسنة ؛ لأن الأدلة لا تختص .
وربما قوّوا ذلك بأنه : يجب / أن يعارض الكتاب ، ولا يبطل به ، بل كان يجب أن يكون أقوى منه ؛ لأنه مما يتعذر فيه المجاز ، ولا يتعذر في الخطاب .
وربما قوّوا ذلك بأنه : كان يجب أن يقيس ، صلى اللّه عليه ؛ لأن الدلالة كما لا تختص بالمواضع فكذلك لا تختص ببعض المكلفين .
وربما قوّوا ذلك بأنه : كان يجب أن لا تتساوى العلل في الفرع الواقع بين الأصلين ؛ لأن الأدلة لا يصح فيها أن يعارضها ما ليس بدليل على وجه يساويها ، ولا يتميز أحدهما من الآخر ؛ لأنه يوجب أن لا يتميز الحق من الباطل .
وهذا كله يبعد ، لأنا قد بينا في الباب الأوّل : أن القياس دليل على وجه لا يمتع أن يختص فيكون دليلا في حكم ، دون حكم ؛ لأنه تابع للصفة الكاشفة عن المصلحة والدواعي ؛ وقد تختلف أحوال المكلفين في ذلك ، فلا فرق بين هذا الطعن ، والحال ما قلناه ، وبين من قال : لو كان الشرع دليلا لدل على العقليات ، ولدل على إباحة الظلم ، كدلالته على إباحة الضرر . . وهذا ركيك من القول ، وإذا صح فيه ما ذكرنا ، وكان يتبع غالب الظن لم يجز أن يساوى الأدلة القاطعة ؛ لأن غالب الظن إنما يكون له حكم إذا لم يحصل العلم ، ولا التمكن من العلم ، في خلافه أو وفاته ، على ما بيناه في « العمد » ؛ ولذلك ما جاز أن لا يتعبد ، صلى اللّه عليه ، به ، من حيث أنزل قوله منزلة الأدلة « 1 » في التعبد عما لا يحل هذا المحل ، وجاز « 2 » أن يساوى الأحكام في القياس ، كما يجوز في النصوص ؛ ويكون طريقه الأمارة .
هامش
( 1 ) في الأصل كلمة مشتبهة أقرب ما تقرأ به « غيره » .
( 2 ) في الأصل « وجاوز » وليس واضحا ؟ .