قيل له : كذلك نقول لأن المتكلم لا يكون مفيدا بكلامه ما وضع له من الفائدة إلا بالقصد ، كان الكلام خصوصا أو عموما ، لأن العلة التي ذكرناها قائمة في الجميع .
فإن قال : أفيجب مع القصد إلى الفائدة التي وضعت العبارة لها في اللغة القصد إلى أن يتكلم بمواضعتهما ، ويقصد أن يكون متكلما بلغتهم ؟ فإن أوجبتم ذلك بطل اقتصاركم على القصد الواحد ، وإن امتنعتم من ذلك لزم إذا كانت الكلمة قد وضعت في اللغة لأمرين مختلفين ، أو متفقين لأن لا يكون المتكلم بأن يكون متكلما بإحدى اللغتين بأولى من أن يكون متكلما باللغة الأخرى .
قيل له : إن المواضعة قد سلفت وتقدّمت ، ولا يجوز أن يكون المتكلم باللغة قاصدا إليها وقد صارت ماضية إنما يجب أن يكون عالما بها ثم يقصد ما علم من الفائدة التي وضعوا العبارة التي تفيده إذا تكلم بها ، وإن كانت الكلمة قد وضعت في اللغة لأمرين مختلفين صار متكلما بإحداهما إذا أراد الفائدة صار المتكلم بها ، بكلتا اللغتين ، إن كان عالما ، لأنه لا فرق بين أن يتكلم بها بإحداهما وبين أن يتكلم بها بالأخرى ، وإنما يخالف حالها إذا كان هذا صفتها لحالها إذا كانت مفيدة لتلك الفائدة في لغة واحدة ، من جهة أن العالم بأي واحدة من اللغتين يصح أن يفيد بها ذلك ، وليس كذلك الحال إذا انفردت باللغة الواحدة .
فإن قال : فإن كان لا يجب القصد إلى المواضعة بل يكفى القصد إلى الفائدة مع العلم بالمواضعة فيجب مثل ذلك في حكاية كلام زيد ، إذ لا يجب القصد إلى حكاية كلامه ويكفى القصد إلى الفائدة ؟
قيل له : إن الحاكي إنما يجب أن يقصد الحكاية ، دون الفائدة ، ولذلك لا يكون كاذبا إذا كان كلام المحكى كذبا ، فهو بالضد مما ذكرناه ، فكأنه يقصد
المغني في أبواب التوحيد والعدل — صفحة 17
مساهمون: القاضي عبد الجبار الهمذاني
ص١٧