لأن المواضعة لو عدمت لم يؤثر هذا القصد بانفراده ، ولو وجدت وعدم القصد لم يكن هذا القول عموما من قائله ، وإذا حصلا وقعت الفائدة باللفظة على ما ذكرناه .
فإن قال : أليس إذا أراد به الخصوص أيضا فالحال هذه ، من أنه لا بدّ من مواضعة وقصد ، وهذا يوجب أن لا فرق بين الحقيقة والمجاز .
قيل له : قد بينا أنه في وجه المجاز يحتاج مع القصد إلى قرينة أو عهد ليقع به الاضطرار في الشاهد ، وليصح الاستدلال على المراد في الغائب ، وليس كذلك في باب الحقيقة .
يبين ذلك : أن القائل لغيره : عندي عشر رجال يعلم قصده بها إلى العدد إذا أراد الحقيقة ، ومتى أراد تسعة يحتاج إلى قرينة أو عهد ليعرف قصده ، فلا بدّ من مزية للحقيقة في باب الاضطرار ، وفي باب الاستدلال ، وإن كان لا يمتنع في بعض الأحوال أن يتفقا في الاضطرار ، على حسب موافقة الإشارة للعبارة في هذا الباب ، وذلك لا يكون إلا في الأمور الظاهرة ، دون الخفي الغامض .
فإن قال : أليس هذا القول يقارب قول المرجئة الذين يقولون في العموم :
إنه إنما يكون عموما بالقصد ؟
قيل له : بل هو بعيد من مذهبهم ، لأنهم لا يجعلون مجرّده دلالة على أن المتكلم به قصد العموم وأفاده ، بل يقولون يحتاج في ذلك إلى دليل غير مجرّده ؛ وعندنا أن مجرّده دلالة ذلك ؛ وهم إذا ذكروا القصد فإنما يعنون به : أن اللفظة اختصت ، وخرجت عن الاحتمال والشركة ، ولولا القصد لكان موضوعها موضوع اللفظ المشترك ، وليس كذلك قولنا ، وهذا فرق بين لمن يتدبر .
فإن قال : فيجب على هذا القول في ألفاظ الخصوص وغيرها مثل ما ذكرتم في العموم .
المغني في أبواب التوحيد والعدل — صفحة 16
مساهمون: القاضي عبد الجبار الهمذاني
ص١٦