تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المغني في أبواب التوحيد والعدل — صفحة 12

مساهمون:

ص١٢
الحق إذا كانوا عقلاء مكلفين وهذا بهت من قائله . على أنا قد بينا أن القول بالاضطرار في العموم لو سلم لهم لوجب أن يكون خطابه بالعموم عبثا لأن العلم الضروري ، على ما قدمنا القول فيه واجب في الخصوص لاحتماله أنه وجب في العموم ، وهذا يوجب كون القرآن وإنزاله عبثا ، وأن يقال : إنه لا يدل على شيء من الأحكام . فإن قالوا : إذا كان خطابكم ، وإن كان قد يضطر المخاطب إلى قصده لا يجب أن لا يكون فيه فائدة فكذلك القول في خطابه تعالى . قيل لهم : إن خطاب الواحد منا هو طريق معرفة قصده باضطرار كالادراك الّذي هو طريق العلم ؛ وإنما يصح ذلك لما كان مدركا وخطابه مدركا فصح أن يعرف قصده عند ذلك ، وربما يعرف ذلك بالإشارة كما يعرفه بالكلام ، ويكون المخاطب مخيرا بين الأمرين إن علم أن الاضطرار يقع بكل واحد منهما ، وليس كذلك حال خطابه تعالى ، لأنه ممن لا يدرك ، ولا نفس الخطاب يكون طريقا للمعرفة عندك والعلم الضروري يغنى عن ذلك ، ويوجب كونه عبثا ، ويصير بمنزلة من يحمل غيره رسالة بالعربية ليؤديها إلى عربى فصيح ، ويكتب معه رقعة بالفارسية لا طريق لذلك المرسل إليه إلى معرفته إلا ببيان الرسول ، وبيانه يستقل بنفسه ، فإذا كانت الرقعة لا فائدة فيها ، لأن المقصد يحصل بتأدية الرسالة ، فكذلك القول فيما ذكرناه . وإنما نقول : إنه تعالى لا بدّ من أن يخاطب من حيث كان الخطاب عندنا دلالة ، ولا بدّ للمكلف من الاستدلال من الدلالة والعلم بها ، وإنما نقول : إنه تعالى قد يؤكد ذلك لما فيه من تقوية حال الدلالة ، وذلك يحسن لمثل ما له يحسن نصب الأدلة ، ولا يجب إذا كان ذلك حسنا أن يدخل التوكيد في سائر خطابه ، لأن ما يحسن لا يجب وجوده في كل خطاب ،