فصل في الأوامر
قد بين أهل اللغة صيغة الأمر ، ولا شبهة في أن قول القائل ، لمن دونه « افعل » يكون أمرا ، وإنما اختلفوا فيما يكون به أمرا ، وفيما يفيده ، ويدل عليه . وقد بينا فيما تقدّم : أنه إنما يكون أمرا بإرادة المأمور به ، وأنه لا بدّ من ذلك في كونه أمرا ، ولا بدّ أيضا من أن يريد الآمر إحداث الأمر ، خطابا للمأمور ؛ وقد بسطنا القول في ذلك وبيناه في الشاهد ، لأن الآمر « 1 » منا لغيره يعرف نفسه « 2 » للمأمور به ، وأنه متى لم يرد ذلك لم يكن آمرا ، والّذي يفيده الأمر من كل آمر هو :
ما لا يكون آمرا إلا به ، وهو / إفادة المأمور به ، ولذلك يصح أن يكون أمرا بالحسن ، والواجب ، من حيث صح أن يريد جميع ذلك ، ولذلك يصح أن يأمر بما لا يجوز أن يراد . وهذا أحد ما تبين أنه لا يكون أمرا إلا بإرادة المأمور به ، ومتى ورد الأمر من الحكيم فإنه يدل على ذلك ومن حقه أن لا يريد إلا الحسن ، فلا بد من كون ما أمر به حسنا ، فإن كان الحكيم مكلّفا ، أو رسولا للمكلّف فلا بد فيما أمر به من أن يكون ندبا وموجبا ، لأنه لا يحسن أن يريد على هذا الحد إلا ما هذا حاله ، وليس يدل على أمر زائد على ما ذكرناه ، فلا يصح القول بأنه دلالة الواجب ، إلا أن يثبت بدليل سمعي ذلك فيه ، فيكون بمنزلة قوله ، جل وعز ، لا آمر إلا بالواجب ، فتكون دلالة الوجوب ، ذلك القول ، دون الأمر ؛ ومتى
هامش
( 1 ) في الأصل اشتباه ونقص حرف النون ونقص المدة ، والقراءة اجتهادية .
( 2 ) أقرب ما يقرأ به الأصل .