وجوب الأفعال ، أو بمعناه فلا بدّ من أن يدل على وجوب الفعل ، فإن كان اللفظ خاصا دل على وجوبه ، على حد الخصوص وإن كان عاما فعلى طريقة العموم . وقد يدل على ذلك الإيجاب والإلزام نحو أن يقول جل وعز : أوجبت ، وألزمت ، إلى ما شاكل ذلك ؛ وهذه الألفاظ في حكم الخبر فهي منقولة عن بابها بالتعارف ؛ كما أن قول القائل : أعتقت عبدي ، وإن كان خبرا فقد جعل موضوعا للإيقاع ؛ وقد ثبت في اللغة / أن ما صورته صورة الفعل الماضي قد يقارنه الاستقبال ، وما وضع للاستقبال قد يقارنه المضي ، لدخول بعض الحروف عليه ، فغير ممتنع إذا كان هذا حاله أن يجعل الخبر للإلزام والإيقاع ، فيجب أن يرجع في ذلك إلى التعارف ، ومتى قال بدلا من ألزمت : قد حكمت عليك ، وقضيت إلى ما شاكل ذلك دل على الوجوب ، كدلالة قوله :
« وَقَضى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ »
، وإنما يعدل عن ذلك لضرب من الدلالة ؛ لأن القضاء إذا علق بفعل المكلف اقتضى ذلك وإنما يزول عن هذا الوجه إذا علق بفعله ، جل وعز ، وخبره .
وقد يدل على ذلك الوعيد والتحذير ، والزجر ، والتخويف ، لأن جميع ذلك متى علق بأن لا يفعل الفعل أو يتركه . فيجب أن يدل على وجوبه ، لأن ما ليس بواجب لا يصح ذلك فيه . ولو ورد عنه ، جل وعز ، ما يدل على أنه مريد للفعل وكاره لتركه لدل على الوجوب ، لأن ما ليس بواجب لا يصح ذلك فيه ، من جهة الحكمة ، وكل فعل يعلم أنه لولا القول بوجوبه لم يحسن أصلا ، والدليل إذا دل على حسنه دل على وجوبه مع هذه المقدمة / وكذلك ما يثبت فيه أنه لولا وجوبه لم يدخل تحت التكليف فكل دليل اقتضى دخوله تحت التكليف اقتضى وجوبه وقد اختلفوا في أن دخول المعصية في أن لا تفعل ، هل يقتضي وجوبه أم لا ؟ .
فمنهم من يحكم بذلك . ومنهم من يقول : قد يدخل ذلك في أن لا يفعل ما أمر به