وليس لأحد أن يقول جوزوا التوبة من الأمور المستقبلة ، ويكون عزما فقط ، لأنا قد دللنا من قبل على أن التوبة هي الندم والعزم ، على الوجه الّذي قدّمنا ذكره ، وفي ذلك إسقاط ما تعلق به . فليس له أن يقدح بذلك في الوجه الأول الّذي قدمناه ، بأن يبين أن للعزم تأثيرا في المستقبل ، كما أن للندم تأثيرا في الماضي ، لأن ذلك إنما كان يتم له ، لو صح أن يجعل كل واحد منهما توبة بانفراده . على أن العزم واجب على الإنسان ما دام مكلفا على الجملة ، وإن لم يظن أنه سيواقع المعاصي . فكيف يصح أن يقال إنه توبة ، ومن حق التوبة ألا تجب إلا على طريقة الاستدراك ؟ ولذلك لا تجب إلا على بعض المكلّفين دون بعض .
وبعد ، فقد بينا في المسبب أنه إن أمكنه المنع من حدوثه ، لزمه ذلك ، ولم تلزمه التوبة ، وإنما تلزمه التوبة متى تعذر عليه ، فإذا صح في المسبب وقد أوجد سببه ذلك ، فبأن يجب مثله في المستقبل أولى ، لأنه يمكنه في القبائح المستقبلة أن يتوقاها ، فلا يفعلها ، فكيف تصح التوبة منها والحال هذه ؟
وبعد ، فقد بينا أن الندم إنما وجب أن يؤثر في العقاب ، على الوجه الّذي تقدم ذكره ، من حيث حل محل ألا يفعله ، لما تعذر عليه ذلك ، ولم يكن في مقدوره ما يجوز أن يقوم مقامه سواه ، وبينا أنه لو أمكنه ألا يفعل ما قد فعله ، فكان الواجب عليه أن يتلافى بذلك لا بالندم ، وقد عرفنا أن الأمور المستقبلة قد يمكنه التحرز من عقابها بألا يفعلها ، فكيف تصح التوبة منها .
وبعد ، فإن التوبة هي من الواجبات التي لا بد من ثبوت سبب لوجوبها ، فكما أن سائر ما هذا حاله لا يجب ولمّا يحصل سبب وجوبه ، ويكون فعله ولما يحصل سبب وجوبه كلا فعل ، فكذلك القول في التوبة . ولذلك قال من جوز تقديم
المغني في أبواب التوحيد والعدل — صفحة 432
مساهمون: القاضي عبد الجبار الهمذاني
ص٤٣٢