الزكاة من الفقهاء ، إن ذلك إنما جاز من حيث ثبت بعض أسباب وجوبه ، ولذلك لم يجوزوا تقديم ذلك ولم يوجد شيء من أسباب وجوبه .
على أن ذلك من الشرعيات ، فلا يمتنع أن يسد المتقدم منه مسد الواقع في وقته في باب المصلحة ، وليس كذلك الأمر في العقليات ، لأنه إذا ظهر سبب وجوبه أو صحته ، لم يجز أن يقام غيره مقامه . ولذلك لم يجوز أن يتبرع بعطية ، فتسد مسد قضاء الدين ، الّذي سيلزم في المستقبل .
واعلم أن المدفوع من الضرر / في الشاهد على ضربين : أحدهما طريقة العادة ، والثاني : طريقة الاستحقاق لجميع ما يدفعه أحدنا من المضار في باب الدنيا ، هو من الوجه الأول ، لأنه إنما يتناول الأدوية أو يستعمل العلاجات ، على هذه الطريقة ، وعلى هذا الوجه يحصل التكسب والعلاجات . فأما الضرر المستحق الّذي يدفعه من جهة العقل ، فليس إلا الذم والتوبيخ ، الّذي يزيله بالاعتذار ، إذا كانت الإساءة قد تقدمت .
والتحرز من المستحق على وجهين : أحدهما بألا يفعل ما به يستحقه ، والآخر بأن يفعل ما يستحق به قبيلا ، فإنه يفعل الندم ، على ما ذكرناه ، ولا يجوز أن يتلافى إلا والضرر قد دخل في الاستحقاق ، حتى يحصل بحيث لا يمكنه التوصل إلى زوال استحقاقه ، فالتلافى إنما يصح في المستحق ، وقد دخل في أن يكون مستحقا ، لو صار كأنه مستحق بوجود سببه ، كما أن التحرز من استحقاقه إنما يصح بألا يفعل ما به يستحقه ، فلكل واحد من هذين الوجهين مرتبة في الصحة ، فكما لا يجوز أن يفعل ما قد فعل ، وإنما يمكنه ذلك في المستقبل ، فيتحرز من الاستحقاق ، فكذلك لا يمكنه إزالة ذلك إلا وقد صار من باب الاستحقاق .
ولهذه الجملة بنى شيوخنا رحمهم اللّه اللّطف على دفع المضار الجارية مجرى
المغني في أبواب التوحيد والعدل — صفحة 433
مساهمون: القاضي عبد الجبار الهمذاني
ص٤٣٣