تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المغني في أبواب التوحيد والعدل — صفحة 430

مساهمون:

ص٤٣٠
قيل له : لأن ما يقع من دفع المضار في الشاهد ، يجرى على طريقة اللّطف الّذي قدمناه ، وما يقع من دفعه بالتوبة ، يقع على حد الاستدراك ، فهو بمنزلة الإبراء ، من حيث لم يلزم ، فكما أن ذلك لا يصح ، لأن من حقه أن يكون مسقطا لأمر قد لزم ، أو صار في حكم اللازم ، فكذلك القول في التوبة . وكما لا يجوز حمل الإبراء على دفع المضار ، فكذلك القول في التوبة . على أن هذه التوبة لو وجبت ، لوجب قبولها على ما قدمناه ، ولا وجه يقتضي وجوب قبولها ، لأن المكلف مع فقدها وفقد قبولها قد ينتفع بما كلف من الطاعات ، إذا فعلها ، فكيف يقال بوجوبها ؟ وليس كذلك الحال في التوبة مما وقع من القبيح أو وقع سببه ، لأن فقدها أو فقد قبولها ، يوجب ألا ينتفع بطاعاته ، وذلك يوجب قبح التكليف . وبعد ، فإن التوبة عن القبيح الّذي يخاف أن يبتدئه في المستقبل ، لو قبحت لم يخل حالها من وجهين : إما أن تؤثر في عقاب ذلك القبيح ، إذا واقعه ، أولا تؤثر في ذلك . فإن كانت لا تؤثر فيه ، فلا وجه لوجوبها . وإن كانت تؤثر فيه ، فيجب إذا تاب الإنسان في أول حال تكليفه ، على هذا الحد الّذي سأل عنه ، ثم كفر طول عمره ، ومات على ذلك ، أن يكون من أهل الجنة . وقد عرفنا فساد ذلك ، لعلمنا أن من هذا حاله متى مات مصرا ، أنه يحسن لعنه ، والبراءة منه . وفي ذلك بطلان القول بصحة التوبة من القبيح المستقبل . فإن قال : يلزمكم مثل ذلك في التوبة من المستقبل الّذي وقع سببه . قيل له : إنما يجوز ذلك ، لخروج ذلك المسبب من أن يكون مقدورا له ، بإيجاد السبب ، فلو لم نجوز التوبة منه على الوجه الّذي ذكرنا ، لم ينتفع بسائر طاعاته . ولأنه لو لم يلزمه أن يستدرك ذلك في وقت ما ، لم يكن يستدركه