ولقائل أن يقول : إن الظن له مثل حكم العلم ، وإن لم يكن على ما ظنه ، فلا يجب من حيث يجوز أن يخترم ألا تلزمه التوبة ، أو ألا تصح منه .
على أنه قد ثبت قبح اعتذار زيد إلى من لم يسئ إليه ، وإن كان قد يظن أنه سيسيء إليه في المستقبل ، والتوبة محمولة على الاعتذار ، على ما تقدم القول فيه ، فيجب في هذا الوجه ألا يصح . وهذا الوجه وإن كان صحيحا ، فلا بد من أن يرجع فيه إلى ما قدمناه ، لأنه إن طالب بعلة الاعتذار ، ليحمل التوبة عليه ، فليس العلة إلا ما تقدم ذكرنا له ، من بيان حال الندم ، وكيفية تعلقه .
ولهذه الجملة يصح ما قاله شيخنا أبو هاشم رحمه اللّه ، من أن الندم لا يجوز على أهل الجنة ، لأنه غم وحسرة ، ولا يجوز أن يكون حسرة ومع ذلك يتعلق بالمستقبل ، لأن المتحسر إنما يتحسر على الشيء لم فعله ؟ ولما ذا لم يتحرز منه ؟
فكيف يصح أن يتوب من الأمر المنتظر .
فإن قال : لهذا صح وجوب النظر والمعرفة عليه تحرزا من مضار يخافها في المستقبل ، فهلا لزمته التوبة لهذا الوجه ؟
قيل له : قدمنا أنها لا تصح في الأمور المستقبلة ، فلا يصح حملها على ما لا يصح إلا لأجل الأمور المستقبلة ، لأنه إنما يلزمه أن ينظر فيعرف ، ليتوقى في المستقبل ، ويتحرز عن المعاصي ، فكيف يصح حمل أحدهما على الآخر ؟ وهذا هو الجواب عن سائر ما يسأل عنه في الألطاف : أنها إنما تفعل للأمر المستقبل ، فالتوبة بالضد منها ، من حيث يفعل ليستدرك بها الأمر الماضي الثابت ، أو في حكم الثابت .
فإن قال : أليس في الشاهد قد يتحرز عن المضار المخوفة ، بمشقة يتحملها في الوقت ، فهلا جوزتم مثله في التوبة من الأمر المستقبل ؟
المغني في أبواب التوحيد والعدل — صفحة 429
مساهمون: القاضي عبد الجبار الهمذاني
ص٤٢٩