وإذا كان المعتبر في تقرر العقاب بالموافاة عندكم ، وكان الّذي يخرج به عن الموافاة هو التوبة ، فهلا قلتم بأنها لازمة للمؤمن ما دام مكلفا ، لعلمه بأنه بها يخرج عن الموافاة ؟
قيل له : قد بينا أن التوبة هي الندم على ما فعل ، مع العزم ، على ما تقدم ذكره ، ولا يصح أن يندم على ما لم يقع منه ، فكيف يصح أن يتوب مما يخاف أن يفعله ، وهو غير واقع ؟
فإن قال : ألستم قد جوزتم التوبة مما لم يقع من المتولد ؟
قيل له : إنما جوزناه بأن جعلنا الندم على سببه ، على الوجه الّذي قدمناه في حكم الندم عليه ، وذلك لا يصح فيما لم يقع ، ولا وقع له سبب ، لأن الندم عليه لا يصح ، ودلالة تعلق بأمر واقع ، فيحل الندم على ذلك الواقع محل الندم عليه ، فيصير هذا الندم بمنزلة الندم على فعل الغير ، فكما أن ذلك لا يصح ، فكذلك القول فيما سألت عنه . ولهذه الجملة لا يفصل بين الظن والعلم ، فلو خبّره النبي صلى اللّه عليه وسلم أنه سيفسق / أو سيكفر ، لما صح أن يتوب من ذلك ، وإن كان قاطعا عليه .
ولذلك عولنا في دفع السؤال على بيان حال الندم ، ولم نعول على أنه إنما لا تصح توبته ، وتجب من حيث يجوز أن يخترم دون إيقاع المعصية التي تاب منها .
وذلك أن من اعتمد على هذا الوجه ، للقائل أن يقول له : فلو قطع على ذلك ، لصحت التوبة أو لوجبت التوبة ، فلا يمكنه عند ذلك نصرة هذا الكلام .
ولقائل أن يقول له : إنه إذا جاز أن يتوب من معصية قد ظن أنها وقعت منه ، وإن لم تكن وقعت في الحقيقة . ولا يقدح ذلك في وجوب التوبة ، فهلا صح مثله فيما يخافه في المستقبل ؟
المغني في أبواب التوحيد والعدل — صفحة 428
مساهمون: القاضي عبد الجبار الهمذاني
ص٤٢٨