تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المغني في أبواب التوحيد والعدل — صفحة 400

مساهمون:

ص٤٠٠
التوبة والإصرار عند ذكر المعصية ، يجب ألا يخلو القادر من أحدهما ، فيجب أن يكون حال أهل الجنة كحال أهل الدنيا ، إلا من الوجه الّذي ذكرناه في باب الإلجاء . فإن قال : هلا قلتم إن أهل الجنة ملجئون إلى فعل التوبة ، أو فعل الإصرار ، فلا يكون حالهم كحال أهل الدنيا ، في وجوب التوبة عليهم ؟ قيل له : إنا لم نسقط كلامك ، بأنه كان يجب في أهل الجنة أن تكون التوبة لازمة لهم ، وإنما أسقطناه بأن قلنا : لو وجبت من حيث لا يخلو المكلف من أحد هذين ، للزم أن تكون واجبة على أهل الجنة ، فإذا لم تجب سقط ما قلته . فالذي ذكرته الآن إنما يريد أن يعتل به للقول بأن التوبة ليست بواجبة على أهل الجنة . وهذا مما يؤكد ما أسقطنا به اعتراضك . وبعد ، فإن الإلجاء إلى التوبة في أهل الجنة لا يحسن ، كما لا يحسن منه تعالى أن يلجئهم إلى المضار ، لأنه في حكم فعل المضار منهم ، ولا يجوز أن يلجئ إلى الإضرار ، لأنه قبيح ، وإنما يلجئ القديم تعالى أهل الجنة ، إلى ألا يفعلوا القبيح ، لا أنه يلجئهم إلى فعله . فإن قال : إنما أعنى بالإلجاء ، أنه يلجئهم إلى أمر سوى التوبة والإصرار ، فتخرج التوبة من أن تكون واجبة . قيل له : إذا لم يتعلق ذلك الأمر بهما ، فكيف يصح خروج التوبة لأجله من أن تكون واجبة ؟ وهل سبيلك في هذا القول إلّا سبيل من يقول لك : إن الذاكر للمعصية لا تكون التوبة واجبة عليه ، لكونه ملجأ إلى ألا يقتل نفسه ، ولا يستعط بالخردل ، إلى غير ذلك . فإذا لم يؤثر ذلك عندك في حكم التوبة في الدنيا ، فكيف يؤثر ذلك في أهل الجنة ؟