وبعد ، فإن موضوع السؤال غير مسلّم ، وذلك لأن هذا الندم من جهة العقل ، لا يمتنع أن يحسن ، فلا تجرى التوبة مجرى ضدها من جهة العمل في القبح ، بل نقول لو عرف الصغير لحسن أن يندم عليه لقبحه ، إذا ظن أن ذلك أقرب إلى مفارقة المقبحات ، والخروج عما يستحق بها من الذم والعقاب ، لأن مثل ذلك قد يحسن من جهة العقل ، وإنما نقول في الصلاة إنها تقبح من جهة العقل ، على الحد الّذي يقع من جهة السمع . فأما إن كان له في فعلها أو فعل بعضها غرض ، فذلك مما يحسن .
وبعد ، فإن هذه العلة توجب عليهم أن من واقع القبيح قبل حال التكليف ، ثم ذكره في حال التكليف ، ألا يعرّى من التوبة وضدها ، وأن ذلك لو قبح ، لوجب أن تكون التوبة لازمة . وهذا يوجب في هذا الندم أن يكون واجبا .
واعلم أن شيخنا أبا على رحمه اللّه ، يعتمد في وجوب التوبة من الصغير ، وتجديدها حالا بعد حال ، أو ذكر المكلف المعصية ، على أن التوبة والإصرار يتعاقبان على المكلف ، ولا يخلو منهما عند ذكر المعصية ، فلو لم تكن واجبة لحسن منه الإصرار ، فإذا قبح ذلك ، فواجب أن تكون التوبة لازمة .
وقد أسقط شيخنا أبو هاشم رحمه اللّه ذلك بوجوه :
منها أنا قد نجيز تعريه من الأخذ والترك . فأقوى حال الإصرار أن يكون تركا للتوبة ، فما المانع من أن يخلو منهما جميعا ، فلا يدل ذلك على وجوب التوبة .
ومنها أن ذلك يوجب ذكر القبيح الّذي فعله قبل حال التكليف ، ألا يخلو من التوبة والإصرار ، وأن تكون واجبة من هذا القبيح . فإذا لم يصح ذلك ، فكذلك القول في الصغير إذا واقعه في حال التكليف ؛ ولا يمكنه أن يقول إنه في حال التكليف يعرف موقع ذلك القبيح ، فلذلك لا يخلو من التوبة والإصرار ،
المغني في أبواب التوحيد والعدل — صفحة 398
مساهمون: القاضي عبد الجبار الهمذاني
ص٣٩٨