تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المغني في أبواب التوحيد والعدل — صفحة 372

مساهمون:

ص٣٧٢
وأن تركه لا يقبح لصحة توبته من الغصب ، فلو كان ذلك من التوبة ، لما صحت ، والحال هذه . فإن قال : إذا كان لا تصح منه التوبة إلا مع مجانبة كل قبيح ، فعلم أنه قبيح في الحال ، فهلا قلتم إن ذلك كالعزم في أنه من التوبة ؟ قيل : لو أنا نلزم ذلك لأمر يرجع إلى الداعي ، لأنه متى أقدم على قبيح يعلمه أو يعتقده قبيحا في الوقت ، كشف من حال ندمه وعزمه ، أنهما لم يتعلقا بالقبيح لقبحه ، فلا يحصل تائبا ، ولو صح / أن يحصل تائبا مع الإقدام على ذلك ، لما وجب اقترانه بالتوبة . يبين ذلك أنه لما سلم ندمه وعزمه في التعلق على الوجه الّذي ذكرنا ، مع إقامته على قبيح لا يعلمه ولا يعتقده قبيحا ، لم تمتنع صحة توبته ، فليس ذلك إذا من التوبة ، وإن كان لا بد منه للوجه الّذي ذكرنا . يبين ما قلناه : أنه لو لم يقدم إلا على قبيح واحد ، ولم يكن له في الحال إلى بعض القبائح داع ، لصحت توبته من دون أن تخطر له الإقامة على القبيح بالبال ، فعلم أن ترك إقامته على القبائح التي يعتقدها ، إنما تجب للعلة التي ذكرناها . فإن قال : إذا صح في مجانبة القبيح في الوقت ، مع أنه لا بد منه لتصح التوبة ألا يكون من التوبة ، ليجوزن في العزم ألا يكون من التوبة ، وإن كان لا بد منه ، فيصح قول من قال : إن التوبة هي الندم فقط . ومتى قلتم في مجانبة القبيح : إنه لأجل الداعي لا بدّ منه ، قيل لكم مثله في العزم ، لأنه كما لا يصح أن يكون نادما على القبيح لقبحه ، وهو مع ذلك مقيم على قبيح يعلمه كذلك ، فكذلك لا يصح إلا بعزم على ألا يفعل شيئا من القبائح . فما دعا إلى الندم على هذا الوجه ، يدعو إلى الأمرين ؟