تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المغني في أبواب التوحيد والعدل — صفحة 375

مساهمون:

ص٣٧٥
اللغة ما يدل على ذلك ، وأبطلنا القول بأنه منع ، بأنه لو كان كذلك لم يحسن تكليفه ، وبأنه تعالى قال :
( فَلا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلًا )
ولو كان منعا لمنع القليل ، كما منع غيرهم . فإن قالوا : إنما يجوز المنع من التوبة فيمن تتكرر منه الذنوب والإصرار ، مع المعرفة بما أعد للمذنب من العقاب ، فإذا صار كذلك ، حصّل « 1 » الناس من توبته ، فيحسن منه سبحانه أن يطبع على قلبه . قيل له : قد بينا أنه لا فرق بين أن يتكرر ذلك ، ويكثر أو يقل ، في أنه لا يحسن من الحكيم أن يديم التكليف عليه ، إلا مع صحة التوبة ، ووجوب قبولها ، فإن المنع من التوبة والحال هذه ، كالمنع من نفس ما كلف . فإن قال : أليس الوالد إذا تكرر من ولده العقوق ، وقبل منه العذر حالا بعد حال ، ثم رآه مصرا ، وقوى منه اليأس من صلاحه ، حسن منه أن يعرض عن اعتذاره ، وإذا حسن منه ، حسن منه أن يمنعه ذلك ، فيجب أن يحسن مثله في التوبة . قيل له : ليس الأمر في الاعتذار كما قدرته ، بل لا يحسن من الوالد إذا عرف صدقه في الاعتذار الكرّة العاشرة ألا يقبله ، كما لا يحسن منه ذلك في الكرة الأولى ، ولا معتبر في هذا الباب بما يجرى به عادة كثير من الناس ، إذا لم يعتبروا ما في العقول ، لأنه قد ثبت حسن الإحسان إلى كل واحد ، وقد علمنا مع ذلك أن من أحسن إلى غيره حالا بعد حال ، فكفر نعمته ، أنه ربما استقبح إدامة الإحسان ، وذلك لأمر يرجع إلى العادة ، لا إلى مقتضى العقول . فإذا ثبتت هذه الجملة ، فيجب ألا تختلف التوبة في كيفيتها عن سائر الديون ، على ما تقدم القول فيه ، لأن الوجه الّذي له وجب في الندم والعزم بانفرادهما أن يزيلا عقاب بعض القبائح ، أوجب أن يزيلا عقاب سائر القبائح .
هامش
( 1 ) كذا في الأصل ، ومعنى حصل : بين وميز . والمراد أن الناس عرفوا حقيقة نيته في التوبة . ( انظر التاج والأساس : حصل ) .
المغني في أبواب التوحيد والعدل — صفحة 375 | القاضي عبد الجبار الهمذاني