كالمقدم على الفسق ، مع علمه بأن عقابه يحبط الثواب . فأما إن لم يكن له إليه داع ، فإنه لا يجوز أن يفعله ، كما لا يفعل سائر القبائح إذا كانت بهذه الصفة .
والأقرب في هذا الندم ما ذكره أبو هاشم رحمه اللّه ، لأنه إذا علم حال الطاعة وما فيها من الثواب ، وعرف اللّه تعالى ، فلا يكاد يقع هذا الندم منه إلا مع الاستحقاق بحقه . فيجب أن يكون كفرا من هذا الوجه ، كما أنه إذا ندم على برّ الوالد ، لأنه برّ له ، فلا بد من أن يقاربه الاستحقاق بحقه .
فإن انضاف إلى ذلك أن يندم عليه ، لأنه طاعة ، فهو أبين في هذا الوجه ، لأنه كأنه ندم عليه ، من حيث أراده تعالى ، وأمره به ، فما يقاربه من الاستحقاق بحقه يكون أعظم . فهذا الوجه أقوى ما يقال فيه ، لأنه لا يصح أن يقال إنه كفر ، من حيث يزيل كل ثوابه ، لأن ذلك يوجب في الفسق أن يكون كفرا ، من حيث يزيل جميع ثوابه . ولا يمكن أن يقال : إنما يصير كفرا ، من حيث يحل محل ألا يفعل الواجبات والمحسنات في عقله . فإذا كان لو لم يفعلهما لكان كافرا ، فكذلك إذا فعل ما يسد هذا المسدّ ، وذلك لأن من لم يفعل ذلك ، إنما يكفر لأنه لا يستحق الثواب ، لكن لأن في جملة الواجبات ما يستحق العقاب العظيم بأن لا يفعله ، وذلك غير حاصل في الندم ، لأن الّذي دلّ العقل عليه ، هو أنه يزيل الثواب ، فأما أن يستحق به عقابا عظيما فلا دليل عليه ، ومتى ادعى مدع فيه ذلك ، لزمه أن يدل عليه بدليل مبتدأ ، ولذلك الوجه يصير كفرا ، لا لكونه ندما .
المغني في أبواب التوحيد والعدل — صفحة 369
مساهمون: القاضي عبد الجبار الهمذاني
ص٣٦٩