ولا يصح أن ينتفع بها في الوجه الّذي عرض له بفعلها ، إلا بأن يكون له السبيل إلى إسقاط العقاب بالتوبة .
وبعد ، فإن القتل دون الكفر باللّه ، واتخاذ شريك معه ، فإذا صحت التوبة عندهم من ذلك ، فبأن تصح من القتل وغيره أولى ، لأنه لا يجوز في الشيء أن يزول به العظيم من الضرر ، ولا يزول به ما هو دونه .
يبين ذلك ما ذكرناه في الاعتذار من أن قبوله واجب في كل إساءة ، فإن اختلفت فكذلك القول في القتل .
فإن قال : أليس قد تبلغ إساءة الإنسان إلى أبيه مع عظيم نعمه إليه المبلغ ، الّذي لا يحسن منه قبول عذره ، فهلا جوزتم مثله في التوبة ؟
قيل له : ليس الأمر كما قدرته في الاعتذار ، وإنما يحسن الوالد عند عظيم إساءة ولده ، أن يبقى على جملة من هجرانه ، أو الإعراض عنه ، تهذيبا له في المستقبل ، لا لأن عذره لم يؤثر في زوال ما استحقه .
فإن قيل : / هلا قلتم إن التوبة لا يجب قبولها من المطبوع على قلبه ، على ما يقوله « البكرية » في هذا الباب ؟
قيل له : إن أردت بالطبع المنع فإنا لا نجيز ذلك ، لأنه لا يصح مع التكليف ، أن يمنع من التوبة ، لأنه يقتضي قبح التكليف المستأنف ، وليس كذلك إذا اخترمه ، لأنه لا يحصل معه تكليف مستأنف يقبح لأجله المنع من التوبة . وقد بينا من قبل أن تأويل الطبع المذكور في قوله تعالى :
( بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْها بِكُفْرِهِمْ )
« 1 » ليس على ما ظنوه ، وأنه علامة يفعلها تعالى في قلب الكافر ، ليكون لطفا للملائكة إذا عرفوها وعرفوا لأجلها كفره وإصراره عليه ، لأنهم إذا ذموه كانوا إلى الامتناع من القبيح أقرب ، وإذا علمنا نحو ذلك ، كنا إلى توقيه أقرب ، وبينا من شواهد
هامش
( 1 ) الآية 155 من سورة النساء .