تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المغني في أبواب التوحيد والعدل — صفحة 352

مساهمون:

ص٣٥٢
يكون توبة ، لتعلقه ببعض تلك الوجوه ، لم يكن بعضها أولى من بعض ، فكان يجب أن يصح كون الندم توبة ، وإن كان ندما على الفعل ، لأنه أضر بجسمه أو لأنه أضر بجاره ، إلى غير ذلك من أحواله ، وفساد ذلك معلوم ، فوجب أن يكون جميع هذه الوجوه متساوية في أن الندم إذا تناولها لا يكون توبة ، وأن يكون المعتبر بالوجه الّذي ذكرناه . ويدل على ذلك أن التوبة إنما تجب لإزالة العقاب ، على ما بيناه ، وقد علمنا أنه إنما استحق العقاب بالفعل لقبحه ، لا لغير ذلك من أحواله . فيجب أن يندم عليه على هذا الحد ، ليكون مزيلا للعقاب ، ومتى ندم عليه لا على هذا الحدّ صار في حكم النادم على غير هذا الفعل ، لأنه لا بد من اعتبار وجه في الفعل والندم ، كما لا بد من اعتبار نفس الفعل ، فلو صح أن ذلك كونه يتخطّى الوجه الّذي عليه استحق العقاب في باب الندم ، لصح أن يتخطى نفس الفعل ، ويصح مع ذلك كونه توبة . يبين ما ذكرناه أنه إنما أقيم الندم الّذي هو التوبة ، مقام ألا يفعل القبيح ، لأنه لما لم يمكنه وقد فعله أن يصير لا فاعلا ، وجب أن يفعل ما يقوم المقام ، فإذا كان لو أمكنه ألا يفعله ما فعله ، للزمه ألا يفعله لقبحه ، لا لغير ذلك من أحواله ، فكذلك إذا تلافاه بالندم ، فالواجب أن يندم عليه ، على هذا الوجه دون سائر الأحوال . فإن قال : أليس لو لم يفعله لا لقبحه ، لما استحق العقاب ، كما إذا لم يفعله لقبحه لم يستحقه ، فاعتبرتم في زوال العقاب كونه غير فاعل القبيح فقط ، فهلا قلتم إن الندم بهذه / المثابة في أنه يعتبر فيه التعليق بما فعله ، على أي وجه كان . قيل له : إن الّذي اعتمدناه غير الّذي قدرته ، وذلك أن من حق من لا يفعل القبيح ألا يستحق العقاب ، خطر ذلك بباله أو لم يخطر ، لأنه إنما يستحق العقاب إذا فعله ، فأما إذا لم يفعله ، فلا يجوز أن يكون مستحقا له ، ولو كان هذا مرادنا ،
المغني في أبواب التوحيد والعدل — صفحة 352 | القاضي عبد الجبار الهمذاني