ألا يكون توبة دون أن يكون متعلقا بالماضي ، ويكون هذا تقديره ، وأن يتعلق بفعله أو بإخلاله بالفعل ، ولذلك لا يصح أن يتوب من فعل غيره كما يصح أن يتوب من فعله ، وليس الاستغفار للغير بتوبة في الحقيقة ، لأنه لو استغفر للكافر والفاسق ، لم يزل بذلك عقابهما . ولو كان توبة في الحقيقة من فعل الغير لزال به العقاب ، فصار سبيل الاستغفار سبيل الشفاعة ، في أنه لا يكون توبة ، ولذلك لا يزول به العقاب على حد الاستحقاق ، وإنما يجوز في الفعل أن يزول عنده ، على جهة التفضل .
هذا إذا كانت التوبة توبة من القبيح . فأما إذا استحق المكلف العقاب ، بأن أخل بالواجب ، فلم يفعله ، فتوبته من ذلك إنما هو بأن يندم ؛ لأنه لم يفعل الواجب ، هو علم بانتفائه من قبله ، فالندم عليه يقع على هذا الحد ، لكنه يجب أن يندم عليه من حيث كان واجبا ، كما يجب في القبيح الّذي فعله أن يندم ، عليه من حيث كان قبيحا ، ثم يكون العزم في الوجهين مطابقا للندم ؛ على ما سنبينه .
فإن قال : ومن أين أن الندم لا يكون توبة دون أن يكون ندما عليه لقبحه .
قيل له : لأنا قد بيّنا أن أصل التوبة الاعتذار ، وقد ثبت أنه لا يكون معتذرا بالندم ، دون أن يكون متعلقا بما فعله ، من حيث كان إساءة ، لأنه لو صح أن يكون اعتذارا لوجه سواه ، لأدى إلى جواز قبول اعتذاره ، إذا ندم على قتل أحد الولدين ، مع إقامته على الآخر ، على بعض الوجوه . فإذا صح في الاعتذار ما ذكرناه ، فيجب أن تكون التوبة بمنزلته ، لأن العلة في الاعتذار ، أنه إنما استحق الذم الّذي يزول بالاعتذار ، من هذا الوجه ، فوجب أن يندم عليه من هذا الوجه ، فكذلك إذا كان إنما يستحق العقاب على الفعل من حيث كان قبيحا ، فيجب أن يندم عليه على هذا الوجه . يبين ذلك أن ما عدا صفة القبح من الوجه ، يتساوى في أنه لا تأثير له في استحقاق العقاب ، فلو صح في الندم أن
المغني في أبواب التوحيد والعدل — صفحة 351
مساهمون: القاضي عبد الجبار الهمذاني
ص٣٥١