تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المغني في أبواب التوحيد والعدل — صفحة 350

مساهمون:

ص٣٥٠

فصل في أن الندم لا يكون توبة دون أن يتعلق بالقبيح على وجه مخصوص

قد علمنا أن الندم يصح أن يتعلق على وجوه ، فهو مخالف في بابه للقدرة التي إنما تتعلق على وجه واحد ، والإرادة التي إنما تتعلق على طريقة واحدة ، وهو موافق الاعتقاد والعلم ، لأنه من جنسهما ، أو مخالف لهما ، ولا يصح وجوده إلا معهما ، فيجب أن يكون تعلقه كتعلقهما . وهذا مما يعرفه أحدنا من نفسه ، لأنه يجد نفسه نادما على الفعل على جهاد ، والفعل لا يتغير ، لأنه يجوز أن يندم عليه ، لأنه ضرر ، ويجوز أن يندم عليه ، لقلة انتفاعه به ، أو لما فيه من الذم ، أو من العاقبة الذميمة ، أو لأنه قبيح ، أو لأنه معصية لفلان ، أو طاعة لفلان ، إلى غير ذلك من الوجوه . وذلك يبين صحة ما قدمناه . فإذا ثبت ذلك فالندم لا يكون توبة ، من حيث كان ندما فقط ، لأنه لا بد من أن يتعلق بالفعل على وجه مخصوص ؛ فإذا صح ذلك ، فالذي يكون توبة من الندم ، هو أن يتعلق بالقبيح لقبحه ، أو يقدر هذا التقدير فيه ، لأنه قد يكون ثابتا بالندم الّذي لا متعلق له ، بأن يظن أنه فعل قبيحا ، فيندم على ما ظنه ، ويكون ثابتا في الحقيقة ، ولذلك صح أن يتوب مما لا يعلمه من القبائح التي واقعها ، إذا ظنها ، كما يصح أن يتوب مما لا يعلم تفصيله ، ولذلك شرطنا ما قدمناه . وقد يجوز أن يكون الندم توبة مما لا تعلق له به ، إذا تعلق بسببه . وعلى هذا الوجه قلنا : إنه إذا رمى مؤمنا يصح أن يتوب قبل إصابته ، بأن / يندم على ما يفعله من السبب ، لقبحه ولقبح ما من شأنه أن يتولد عنه ، فيكون تائبا مما لم يقع ، لندمه على سببه الواقع ، فالندم الّذي يجعله توبة لا يخلو من هذه الوجوه ، ومن حقه