تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المغني في أبواب التوحيد والعدل — صفحة 348

مساهمون:

ص٣٤٨
وجب مقارنة العزم للندم لهذه العلة . وهذه العلة لا تزول البتة ، فلذلك وجب في كل حال أن الندم لا يكون توبة ، حتى يقترن به هذا العزم . قيل له : لا فرق بينك إذا قلت هذا القول ، وبين من قال : إن العزم على ترك القبائح لقبحها هو التوبة ، لكنه لا يصح إلا مع الندم ، لأن ما دعاه إليه ، يدعو إلى الندم ، فإذا كان حالهما في هذا الوجه يتساوى ، فمن أين أن الندم هو التوبة دون العزم ؟ وإنما كان كذلك ، لأن العازم يتصور في القبائح المضرة ، حتى يعزم على تروكها ، ولا يجوز أن يعزم والحال هذه وقد وقعت منه معاص إلا ويتصور فيها المضرة ، ولا يجوز والحال هذه ألا يندم عليها . فإن قال : إنما جعلت الندم توبة ، لأنه المتعلق بما تاب منه ، وليس للعزم تعلق بما قد وقع ، وإنما يتناول المستقبل ، والتوبة لا بد من أن تكون توبة من أمر مخصوص . فيجب أن يكون لها به تعلق ، فإذا كان الّذي يتعلق بما تاب منه هو الندم ، فبأن يكون هو التوبة أولى . قيل له : إن كنت أردت بقولك ( إن الندم هو التوبة ) هذا المعنى ، فلسنا نخالف فيه ، لأنا لا نقول في العزم إنه يتعلق بالماضي كالندم ، ويعود الخلاف في ذلك إلى العبارة ، وإنما نريد أن نبين ما يتعلق بالمعنى ، وقد بيناه من حيث دللنا على أنه لا بد من العزم مع الندم . وبعد ، فإنه يقال له : إن الندم لم يحصل توبة لتعلقه بالمعصية فقط ، لأنه لو تعلق بها مع العزم على مثل تلك المعاصي في سائر الوجوه ، من الجنس والعظم ، والزواجر والدواعي ، لما كان توبة والتعلق / حاصل ، فإذن إنما يكون توبة لا للتعلق فقط ، فإذا صح ذلك لم يمتنع فيما لا يتعلق به أن يكون من جملة التوبة ،