المعصية توبة ، فبيّن صلى اللّه عليه وسلم أن الترك لا يعنى ، وأن الواجب الندم ، ولولا صحة ما ذكرناه ، لوجب أن يكون الندم توبة ، مع العزم الّذي قدمنا ذكره ، ومع الإصرار ، وقد بينا فساد ذلك .
وبعد ، فإن من حق التوبة أن يكون لها تأثير في الإقلاع عن المعصية ، ولو كانت هي الندم فقط ، لم يكن له تأثير إلا كتأثير الترك فقط .
فإن قال : إنه لا يجوز أن يكون نادما على القبيح لقبحه وهو مقيم على شيء من القبائح ، فهذا تأثيره .
قيل له : وكذلك فلا يجوز أن يكون تاركا القبيح وهو مقيم عليه ، فلا بد من أن تكون التوبة من صفتها أنها تقتضى الامتناع من المعاصي ، حتى لو دام حال الثابت على ما هو عليه ، لم يقع منه المعاصي . وهذا لا يكون إلا ويقترن بالندم العزم الّذي نقوله في هذا الباب .
فإن قال قائل : إني أقول إنه لا بد من العزم على ترك القبائح في المستقبل ، كما تقولون ، لكنني أقول فيه إنه مما يجب أن يوجد مع الندم ، وإن كان الندم هو التوبة ، كما تقولون : إن التوبة هي الندم والعزم ، وإن وجب أن يكون رادّا للغصب ، ومفارقا لسائر المعاصي ، ولا تجعلون ذلك هو التوبة .
قيل له : إن كل شيء لا نجعله توبة ، قد تصح التوبة مع تعذره ، فلو كان الندم هو التوبة دون العزم ، لصح كون هذا الندم توبة ، مع تعذر العزم ، فإذا بطل ذلك ، صح أنهما جميعا توبة .
فإن قال : ما أنكرتم أنه التوبة دون العزم ، لكنه لا يجوز الندم على القبيح لقبحه إلا « 1 » وما دعاه إلى ذلك يدعوه إلى أن يعزم على ترك القبائح لقبحها ، فإنما
هامش
( 1 ) رسمت هذه الكلمة في الأصل : ( إلى ) .