تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المغني في أبواب التوحيد والعدل — صفحة 290

مساهمون:

ص٢٩٠
ما سألنا عنه ، يلزمه أن يعتبر كثرة الترك وكثرة فعل الواجب ، ويوجب زيادة الثواب والعقاب لأجله ، وهذا مما يمنع العقل منه . فإن قال : إن التروك الكثيرة تساوى عندي التروك القليلة ، لأن قبحهما إنما يكون بالإرادة ، فإذا كانت واحدة ، أوجب أن لا فرق بينهما ، كما نقول في الخبرين عن مخبر واحد ، إنه لا معتبر بكثرة حروف أحدهما ، وإنما المعتبر بالقصد والإرادة . قيل له : إن الإرادة لا تؤثر في قبح الترك ، لأنه إنما يقبح لأنه ترك لواجب ، فحاله كحال قبح الظلم ، فكيف يصح ما ذكرته ؟ وبعد ، فإن أثرت في قبحه ، فلا بد من أن يصير كل واحد منها قبيحا ، لأجل أن الإرادة تعلقت بها أجمع ، على جهة الجملة ، أو بكل واحد على جهة التفصيل . وإذا قبح كل خبر منها ، فقد لزمك أن تفصل بين الكثير منها والقليل ، كما لو قبح بلا إرادة للزمك كذلك ، فتعلقك بالإرادة لا وجه له . واعلم أن فيهم من شنّع بذكر ما وجد في كلام أبى هاشم رحمه اللّه من ذكر القسطين ، وزعم أنه كفر من قابله ، لأنه يقتضي حسن عقاب غير مستحق . وهذا عجيب ممن سلّم أن القول بأن من لم يفعل الواجب يستحق العقاب ، وأن هذا القول ليس بكفر ، لأنه إذا صح ذلك فذكر القسطين إنما يفيد بأنه عقاب يستحق على الوجهين ، فكيف يجب التفكير في ذلك ، مع أن القائل به قد قال في الموضعين : إن العقوبة مستحقة ، وهل ذلك إلا بمنزلة واجبين ، إذا لم يفعل أحدهما يكون عقابه أعظم ، فكما إذا قال إن عقاب تعرّيه من أحدهما أعظم ، لا يلزم الكفر ، فكذلك إذا قال إنه يستحق عليه قسطين ، لأن التكفير بالعبادات لا يصح ، وينقلب ذلك عليهم في التروك ، كما قدمناه .
المغني في أبواب التوحيد والعدل — صفحة 290 | القاضي عبد الجبار الهمذاني