تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المغني في أبواب التوحيد والعدل — صفحة 273

مساهمون:

ص٢٧٣
قيل له : قد بينا من جهة المعنى ما أوضحناه بدليله ، وعلمنا الفرق بين وجود الواجب من قبله ، وبين انتفائه من جهته ، في أن في إحدى الحالتين يستحق المدح إذا فعله على وجه مخصوص ، وفي الحالة الأخرى يستحق الذم ، فلا يجوز أن يقول يستحق الذم لوجوده . فأما القول بأنه يستحق الذم لانتفاء الواجب من جهته ، فلا يمتنع منه ، لأنه فيما يفيده بمنزلة القول بأنه يستحق الذم بأنه لم يفعل ما وجب عليه . وقد بيّنا أن حسن الذم ، بل حسن سائر الأفعال أو قبحه ، لا يتعلق بالفاعل ، وإنما يختص بهذا الحكم ، لوقوعه على وجوه مخصوصة ، فإنما يجب أن نبنيه على الوجه في ذلك ، من غير أن نجعله علة ، أو نعبّر عنه بألفاظ العلل .

شبهة أخرى :

قالوا : إن قولكم هذا يؤدى إلى أن يعاقب اللّه من لم يكن منه طول عمره ومدة وقت تكليفه ، حركة ولا سكون ، ولا أخذ ولا ترك ، ولا حسن ولا قبيح ، ولا صغيرة ولا كبيرة ، ولا إرادة ولا كراهة ، ولا حدث منه حادث ، ومع ذلك يعاقبه بين أطباق النيران ، كفرعون وهامان . وهذا معلوم فساده بأول العقل . والجواب عن ذلك : أن المعنى إذا عقل وعرف صحته بدليله ، فالتشنيع بالقول ، والإكثار منه ، لا يؤثر فيه . ونحن وإن جوزنا أن يستحق الذم والعقاب بألا يفعل الواجب ، فلسنا نجوز في المكلف أن يمتد به الزمان ، ويخلو من الأفعال والمقاصد ، لأنه مع التكليف لا بد من تردد الدواعي ، لأنها كالشرط في التكليف ، فإذا صح ذلك ، فلا بد من أن يفعل بعض الأفعال ويقصد ، كما لا بد من أن يعلم ويشتهى ويقدر ، فإذا صح ذلك لم نجوّز ما سأل عنه ، وإنما نجوّز في فعل مخصوص من الواجبات ألا يفعله ، أولا ترى أنا نقول : إن المكلف في كثير من أحواله ، لا يخلو من أن يفعل في نفسه الحركات أو السكون ، ولا بد من أن يفعل الإرادة /
المغني في أبواب التوحيد والعدل — صفحة 273 | القاضي عبد الجبار الهمذاني