وبعد ، فإنه يقال له : لو ثبت أن التكليف يقبح ، لم يخرج الثواب من أن يكون واجبا . يبين ذلك أنه لو كان تعالى عبدا ، وفي تكليفه فساد على غيره ، لوجبت الإثابة إذا أطاع . فالمسألة صحيحة ، وإن قدر في التكليف أنه يقبح ، بأن يقال :
لو لم يفعل الثواب ، كيف كانت الحال ؟ فلا يمكنه أن يقول : إن ذلك يستحيل ، لأنه يؤدى إلى قلب التكليف عن الحال التي وقع عليها .
وبعد ، فإن التكليف هو إرادة الأفعال ، وكراهة بعضها ، والأمر والنهى ، وكل ذلك مما لا يبقى ، فمتى وقع على الوجوه التي يحسن لما يرجع إليها وإلى مقدماتها ، فهذا التقدير كيف يؤثر فيها ؟ أو لسنا قد ألزمنا المجبرة على قولهم : إنه تعالى قد كلف الكافر الإيمان الّذي لا يطيقه ، إنه يجب أن يقبح منه عقابه ، وإن كنا نعلم أن الحال لو كانت ما ذهبوا إليه ، كان لا يقع منه العقاب ( تعالى عن ذلك ) أوليس قد قال شيوخنا : إنه تعالى لو لم يثب المطيع لكان في حكم الظالم له ، حتى قالوا :
لو صح أن يستحق الثواب والعقاب ، لوجب في المكلف أن يكون إذا عوقب مظلوما ، ومعدولا عليه ، إلى غير ذلك من المسائل .
فإن قال : إنا نقول لو لم يثب تعالى لم يستحق الذم ، وإن كان الثواب واجبا ، ويفارق حاله حال الواحد منا ، لأن الترك لا يجوز عليه ، ويجوز علينا .
قيل له : فيجب أن يكون الواجب فيه كالتفضل ، وأن تفارق حاله لحالنا في حكم الواجب ، لأن فيه لا يصح الذم ، وفينا يصح ، ولو جاز ذلك لجاز ما تقوله المجبرة ، في أن الفعل يقبح منا ، ولا يقبح منه تعالى ، ونستحق الذم عليه دونه تعالى .
فإن قال : ألستم تقولون إنه تعالى لو وجب عليه الكلام في اللذات والآلام ، لكان متى لم يفعل ، يستحق قدرا من الذم على أن لم يفعل ذلك ، ولو وجب ذلك على أحدنا لاستحق أزيد من ذلك القدر ، من حيث لا يمكنه أن يفعل الكلام
المغني في أبواب التوحيد والعدل — صفحة 268
مساهمون: القاضي عبد الجبار الهمذاني
ص٢٦٨