ذلك يعلم أنه لم يفعلها ، فإذا حصل له العلم بأنها واجبة عليه في وقت بعينه ، صح أن يعلم أنه لم يفعل ما وجب عليه .
فإن قال : هلا قلتم : إنه إنما يعلم أنه لم يفعل الواجب عليه ، بأن يعلم أنه قد فعل له تركا ، لأن حدّ الواجب : أن له تركا قبيحا .
قيل له : إنا قد بينا فيما تقدم فساد هذا الحدّ ، وكشفنا عن بطلانه ، وبينا أن حدّ الواجب أنه استحق الذم بألا يفعله من وجب عليه على بعض الوجوه . والّذي ذكرناه ، لا يبطل هذا الحد ، لأنا قد بينا أنا نعلم في المكلف أنه لم يفعل الواجب ، من الطريق الّذي ذكرناه ، وإن لم نعلم له فعلا ولا تركا ، لأن العلم بأن المستلقى على الأرض المضطجع ، يجدد في نفسه السكون حالا بعد حال ، طريقه الاستدلال ، ولا تعلق له بالاضطرار البتة ، ولا للمشاهدة فيه مدخل ، على نحو ما ذكرناه في الحركات ، فكيف يصح أن يقال : إنه إذا علم فيمن هذا حاله ، أنه لم يرد الوديعة ، ولم يقض الدين ، ولم يصلّ ، فقد علم أنه يحدث في نفسه السكون حالا بعد حال .
وبعد ، فقد بينا من قبل جواز خلو القادر من الأخذ والترك ، فكيف يصح أن يعلّق العلم بأنه لم يفعل القيام والقعود ، بالعلم بأنه فعل السكون المضاد لهما .
وبعد ، فلو لم يثبت ما قلناه بالدلالة ، لما صح تعليق العلم الجاري مجرى الضرورة ، بالعلم الّذي لا طريق له إلى التأمل والاكتساب ، وذلك أنّ علمنا في الساكن الّذي لا يتغير حاله على المنظر ، أنه يتجدد فيه السكون حالا بعد حال ، أو السكون فيه باق ، لا نعلق له بالاضطرار ، ولا بطرقه ، ولا بد من أن يكون طريقه الاكتساب ، ولذلك اختلف العقلاء في السكون : هل يجوز البقاء عليه أو لا يجوز ؟ واختلفوا في سكون الأجسام الساكنة ، التي ليست بقادرة أنها متجددة أو باقية ، فكيف
المغني في أبواب التوحيد والعدل — صفحة 227
مساهمون: القاضي عبد الجبار الهمذاني
ص٢٢٧