وقد تقصينا القول في ذلك من قبل ، فمن خالف في هذا الباب لم يخل خلافه من وجهين : إما أن يقول قد عقلت للفعل هذا الحكم ، لكني أجعل لفظة الوجوب واقعة عليه وعلى غيره ، أو على بعضه دون بعض ، فيكون خلافه في العبارة . أو يقول في أمور يقول فيها إنه لا مدخل للذم فيها متى لم يفعل : إن الذم يستحق بألا يفعل ، فيكون الكلام في المعنى ، مع تسليم فائدة اللفظة ، أو يقول :
إن الواجب قد يقع على ما ذكرتموه ، ويقع على ما الأولى أن يفعله فاعله ، وتلحقه النقيصة إذا لم يفعله وإن لم يستحق الذم ، فيكون مخالفا في المعنى من وجه . أو يقول : إن الواجب / في كونه واجبا يتفاضل ؛ ففيه ما سبيله ما ذكرناه ، وفيه ما يخالفه ، ونحن نبين من ذلك ما يجب بيانه .
فصل في أن الواجب في حقيقته لا يصح التزايد فيه
اعلم أن حد الواجب إذا كان ما ذكرناه ، فالمفهوم منه يقتضي أن أحد الواجبين لا يكون أوجب من الآخر ، ولا أزيد منه في حقيقته ، لأنهما إذا اشتركا في صحة استحقاق الذم بألا يفعل ، فلا مزية في هذا الوجه لأحدهما على الآخر ، كما أنه لا مزية لأحد القبيحين على الآخر في حقيقة القبح ، ولا مزية لأحد الحسنين على الآخر في حقيقة الحسن .
فإن قال : كيف يصح ذلك وقد علمتم أن في الواجبات ما يعظم ، وفيها ما يصغر ، وفيها ما يعظم ذمّه وعقوبته ، وفيها ما يخف ذلك فيه ، وفيها ما لا إحلال به يوجب الكفر والفسق ، وفيها ما « 1 » يوجب ذلك ؟
هامش
( 1 ) أخطأ الناسخ ، فكتب لفظة ( ما ) هكذا : ( ما ) بدون نقط ، وزاد بعدها ( لا ) .
والصواب حذف ( لا ) وقراءة اللفظة الأولى ( ما ) ، كما يقتضيه السياق .