كذلك لم يكن العلم بوجوب بعض الواجبات من كمال العقل ، ولا يرجع ذلك علينا فيما حددناه به ، لأن العاقل يعلم باضطرار حسن الذم ، وأنه يحسن فيمن لم يفعل الواجب ، كما يعلم ذلك في القبيح ، فصح أن بعض « 1 » العلم بوجوب بعض الواجبات من كمال العقل .
وبعد ، فلو كان حدّ الواجب ما قالوه ، لكان من لا يجوز عليه الترك ، لا يعلم وجوب الفعل عليه ، كالقديم تعالى ، وقد صح بالدليل وجوب إبانة المطيع عليه ، مع استحالة الترك في أفعاله ، وحد الصفة لا يجوز أن يقع فيه تخصيص ، وذلك يبطل ما ذكروه ، وليس لهم أن يدفعوا وجوب الفعل على القديم تعالى ، لأنا قد دللنا من قبل ، على أنه سبحانه بالتكليف قد التزم ما يحتاج المكلف إليه ، ويلزمه أن يلطف له ويثيبه إذا أطاع فيما كلف ، وبيّنا بطلان القول بأن هذه الصفة لا تجرى عليه تعالى ، وبيّنا الفصل بين هذه الصفة وبين قولنا في الواجب إنه فرض ، وإنه إنما لا يجرى على القديم ، لأنه وجب بتقدير مقدور ، فليس كذلك حاله تعالى فيما يجب عليه . فإذا صح وصفه تعالى بأن الواجب يجب عليه ، والترك يستحيل عليه ، فقد ثبت ما قدمناه .
وحكى شيخنا أبو هاشم رحمه اللّه عن بعض المخالفين ، أن هذا الإلزام دعاه إلى غير الحد في الواجب ، وقال إنه إذا « 2 » لم يفعله ، فلا بد من إثباته فاعلا لقبيح ، في حاله أو قبله ، وزعم أنه تعالى لو لم يفعل الثواب لكان يستحق الذم بالتكليف ، لأنه كان يكون قبيحا / . وزعم أنه لا فرق بين أن يكون ذلك تركا أو غير ترك ، لأن الغرض أن يثبت فعلا يجوز تعلق الذم به ،
هامش
( 1 ) في الأصل : ( بعد ) بالدال ، وهو خطأ كما يفهم من السياق .
( 2 ) في الأصل : ( ما إذا ) . وإحدى الكلمتين زائدة . لتمام المعنى بإحداهما .