أحد هذين القسمين دون الآخر ، فإذا ضم إليه العلم بأنه قد كان يصح أن يفعله ، زال عن إطلاقه إلى ضرب من التقييد بعلم ثان ، فحصل / العالم عالما بأمرين :
أحدهما أنه لم يوجد من قبله ، والآخر أنه مقدور له على وجه قد يصح أن يوجد ، أو كان يصح أن يوجد من قبله ، فأما العلم بأنه فاعل ، فإن متعلقه أنه حادث من قبله ، وإنما يعلم أنه كان يجوز أن يحدث ألّا يحدث بعلم آخر ، لكن العلم بأنه حدث من قبله كالفرع على العلم بأنه يصح حدوثه من قبله ، وليس كذلك حال العلم بأنه لم يفعل ، لأنه ليس بفرع على أنه قد كان يجوز أن يفعل ، لما ذكرناه من قبل . وعلى هذا الوجه يصح أن يعلم القديم تعالى غير فاعل لم يزل ، وإن استحال حدوث الفعل لم يزل ، ويعلم أن زيدا غير فاعل في ابتداء حال وجوب قدرته ، وإن لم يجز حدوث الفعل في ذلك الوقت .
فإن قال : فخبرونا عن العلم بأن زيدا لم يفعل ما كان يقدر عليه ، هل يخالف العلم بأنه لم يفعل فقط ؟
قيل له : ذلك يعلم بعلمين : فالعلم بأنه لم يفعل لا يتغير ، لكنه ينضاف إليه العلم بأنه كان قادرا عليه ، وذلك يقتضي أنه كان يجوز أن يفعل ، ولا يجب أن يعلم مع ذلك عدم الفعل ، لأنه قد يعتقد مع ذلك أن مقدوره مقدور غيره ، فيعلم أنه لم يفعل ما كان قادرا عليه ، ويعتقده موجودا من قبل القادر الثاني ، ولو كان ذلك العلم في الحقيقة علما بعدمه ، لما صح أن يضامّه اعتقاد وجوده على الحد الّذي ذكرناه .
فإن قال : فمتى علم بالدليل أن مقدور غيره لا يكون مقدورا له ، أيكون هذا العلم علما بعدمه ؟
المغني في أبواب التوحيد والعدل — صفحة 182
مساهمون: القاضي عبد الجبار الهمذاني
ص١٨٢