ما ثبت بالعقل أنه حق للمدفوع إليه ، وأنه واجب لسبب ظاهر ، يعرفه الدافع والمدفوع .
يبين ذلك أنه لا يمتنع أن يكون دفع النفقة صلاحا للوالد ، ويحرم على الولد تناوله ، وصار هذا في بابه بمنزلة ما قد ثبت من حال المضطر ، أن له أن يتناول الطعام من غيره ، بشرط الضمان ، وما يثبت من الحقوق العقلية لا يثبت على هذا الشرط .
فإن قال : إنما كان ينبغي أن يكون للمدفوع إليه أخذ ذلك ، لو كانت العطية واجبة عليه ، كوجوب الحقوق ، فأما إذا وجبت من جهة الجود والحكمة ، فذلك غير جائز .
قيل له : قد بينا من قبل أن اختلاف أسباب الوجوب في ذلك ، لا يوجب اختلاف الحكم الّذي ذكرناه ، لأن قضاء الدين يوجب اختلاف الحكم الّذي ذكرناه ؛ لأن قضاء الدين وبذل المستهلك وعوض المبيع ، قد علمنا أن أسباب وجوبها مختلفة ، ثم لم يختلف فيها الحكم الّذي ذكرنا ، فكذلك القول فيما ألزمناهم .
دليل آخر : وقد قال رحمه اللّه في كتاب الأصلح إن ذلك لو كان واجبا ، لكان إنما يجب بحال من ذلك صلاح له وأصلح ، لأنا قد بينا أنه لا يجوز أن يدخل في وجه وجوبه حال الدافع ، من أن العطية لا تضره ، والمنع لا ينفعه ، ومن أن المشقة لا تجوز عليه ، إلى سائر ما يقال في هذا الباب ، ولو وجب لذلك - وهذا الدافع يملك دينارا فاضلا عما يحتاج إليه ، ومتى دفعه إلى زيد كان صلاحا له ، وكذلك إلى بكر وعمرو وخالد - فكان يجب أن يكون هذا الدفع حقا لجميعهم . فأما أن يلزمه دفع ذلك إلى كل واحد منهم ، ولا يلزمه الدفع على وجه ، فإذا فسد / الأول صح ما نقوله في هذا الباب .
( 13 / 14 المغنى )
المغني في أبواب التوحيد والعدل — صفحة 97
مساهمون: القاضي عبد الجبار الهمذاني
ص٩٧