فإن قال : أليس لو علم من حال الوالد وغيره ، أنه يغتم متى لم يعط ولده مالا يلزمه أن يدفع إليه ، ثم لا يكون للولد أن يأخذ ذلك من غير إذن ، فهلا جاز مثله في الصلاح والأصلح ؟
قيل له : متى علم الولد من حال الوالد ما ذكرته ؛ فإن له أن يأخذ من ماله ما لو أعطاه لزاد به غمه ، ومتى أخذه لم يلزمه أن يرد عليه ، لأنه قد صار جاريا مجرى حقوقه ، على ما قدمنا ذكره . هذا إذا كان الغم يزول عنه بأخذ الولد على حد ما يزول بدفعه إليه . فأما إن كان أخذه يفارق دفع الوالد في هذه القضية ، فليس له أن يأخذه وإن لزمه الدفع ، وذلك لأنه قد يجوز أن يكون سبب زوال الغم هو وصول ذلك إلى ملك أبيه ويده فقط ، فتساوى عند ذلك الأخذ والدفع ، ويكون الجواب ما قدمناه .
وقد يجوز أن يكون الغرض إيصاله إليه ، على وجه الاختبار ، وعلى وجه يظهر به الإشفاق ، ويقع به ضرب من السرور ، فيفارق أخذ الولد ذلك دفع الوالد إليه ، فلا يكون له أن يأخذه ، وقد بينا أن المعطى عالم بأن وصول الدينار إليه من المعطى صلاح له وأصلح ، وليس يتعلق ذلك بوقوع الدفع منه على وجه مخصوص ، بل الغرض إيصاله إليه وتمليكه ، فيجب إذا لزم الدافع الدفع ، أن يكون بمنزلة الحق للمدفوع إليه ، وأن يكون له أن يأخذه من غير إذن ، وألا يلزمه أن يرده ، فقد ثبت بالعقول خلاف ذلك .
فإن قال : أليس قد يجب على الوالد أن ينفق على ولده عند الحاجة ، وليس للولد من غير إذنه أن يأخذ ذلك ، فقد بطل ما ذكرتم .
قيل له : إن وجوب ما ذكرته طريقه السمع ، ولا يمتنع فيما هذا حاله أن يثبت من جهة السمع الدفع ، ولا يحل للمدفوع إليه الأخذ ، وليس كذلك
المغني في أبواب التوحيد والعدل — صفحة 96
مساهمون: القاضي عبد الجبار الهمذاني
ص٩٦