تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المغني في أبواب التوحيد والعدل — صفحة 95

مساهمون:

ص٩٥
وهذا يوجب ألا يكون للأنبياء في درجة الثواب مزية على غيرهم ، وألا يقع في ذلك تفاضل البتة . وفساد ذلك بيّن ، ولا يرجع ذلك علينا إلا إذا قلنا : إنه لا يجب الاستحقاق ، لأن كل مكلف يستحق على قدر ما فعل ، وقام به من العبادات ، فإذا تفاضلوا في ذلك ، وجب اختلاف درجاتهم في باب الثواب ؛ وكيف يصح مع هذا القول ، أن يقول سبحانه
« فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدُهُمْ مِنْ فَضْلِهِ »
« 1 » ، والجميع لصفة واحدة ، في أنه غير مستحق بالعمل ، وإنما يجب لأنه أصلح . وكيف تكون الزيادة من اللّه فضلا ، والمزيد عليها أجرا ؟ وهلا كانا بصفة واحدة ؟ وقد استدل شيخنا أبو هاشم رحمه اللّه على ذلك ، بأنه لو وجب ما قالوه ، لوجب مثله / على أحدنا ، ولو وجب عليه أن يعطى غيره ، لأنه صلاح له وأصلح ، لكان ما يعطيه حقا له ، فكان يحسن منه أن يأخذه من ماله ، من غير إذن منه ، ولا ما يقوم مقامه ، ولوجب إذا أخذ أن يكون أخذا لحقه ، فلا يلزمه أن يرده ، لأن ذلك واجب في الحقوق ، وهو الّذي يفصل بين ما هو حقه ، وبين ما ليس بحق له ، فلما بطل ذلك ، وثبت أن هذا الأخذ يحرم ، وأنه متى وقع لزم فيه الرد ، فقد فسد بذلك ما ذهبوا إليه . وبين ذلك بأن قضاء الدين لما كان حقا لمن يلزمه أن يرده عليه ، وله أن يأخذه من دون إذنه ، ومن أخذه لم يلزمه الرد على وجه ، فكذلك كان يجب لو كان يلزم غيره أن يعطيه ما هو صلاح له وأصلح . وبين رحمه اللّه أن مفارقة هذا الوجه لقضاء الدين ، لا يخرجه من أن يكون حقا له ، وإنما يوجب مفارقة سبب أحد الحقين للآخر ، وذلك لا يطعن في وجوب تساويهما في الحكم الّذي قدمناه .
هامش
( 1 ) الآية 173 من سورة النساء ، وأولها :« فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ فَيُوَفِّيهِمْ ». . . الخ .