أن تلك المنافع تقع على حدّ ما يقع المدح والتعظيم ، وأنه لا يستحق إلا على الدوام .
وفي ذلك إبطال ما ذكرته .
فإن قال : يحسن منه تعالى أن يكلّف لا للثواب ، لكن لكي يعرف المكلّف التفرقة بين نعيم الدنيا ، المشوبة بالتكدير والآلام ، وبين نعيم الآخرة ، الخالصة عن الشوائب ، ولو لم يتقدم للمثاب حال التكليف ، لم يكن ليفرق بين هذين الأمرين ، ولما عظم موقع الثواب .
قيل له : لو كان لهذا الغرض يحسن التكليف ، وقد علمنا أنه قد يحصل بتكليف الأوقات اليسيرة ، لما حسن منه سبحانه أن يديمه ، ولما حسن منه تعالى ، أن يكلف الأفعال الكثيرة ، لأن بتكليف الفعل الواحد ، يحصل هذا الغرض . ولما اختلف أحوال المكلفين ، وفساد ذلك يبين بطلان ما أوردته .
فإن قال : هذا يفسد قولكم إنه تعالى يكلف لأجل الثواب أيضا .
قيل له : إن القديم تعالى عندنا متفضل بالتكليف ، فله أن يزيد فيه وينقص ، وليس بواجب أن يزيد به « 1 » ما يصح أن يصل العبد إليه من الثواب ، وليس كذلك قولكم « 2 » ، لأنكم جعلتم وجه حسن التكليف ، ووقوع التفرقة بين النعيمين للمكلف ، فإذا أريناكم أن ذلك قد يحصل بالتكليف اليسير ، فالزيادة عليه يجب أن تكون عبثا ، كما لو حصلت هذه التفرقة من دون التكليف ، لكان التكليف عبثا .
وبعد ، فإن التفرقة بين النعيمين قد تحصل بأن يؤلم اللّه تعالى المنعم عليه في الدنيا ، بالأمراض ، وما يجرى مجراها ، فيفرق بين هذا النعيم المشوب ، وبين
هامش
( 1 ) في الأصل : ( بها به ) . والظاهر أن لفظة ( بها ) مقحمة من الناسخ .
( 2 ) في الأصل : وليس كذلك ( القولكم ) ، والظاهر أن أل مقحمة من الناسخ .