أن يولد . وقد بينا فساد ذلك ، في باب التولد . وكل هذه / الوجوه لا تصح في النظر ؛ بل شرائط التوليد فيه حاصلة ؛ فتجب صحة ما ذكرناه فيه .
فان قيل : إذا كان العلم الحاصل ، عند تذكر الأمور ، لا يكون متولدا عن التذكر ، وان وجب أن يحصل عنده ؛ فهلا وجب مثله في النظر ؟
قيل له : ان المتذكر للأحوال لا يجب على طريقة واحدة أن يذكر الشيء ويعلمه ؛ بل قد يتذكر كيفية أكله ، ويقع له العلم بغيره من الأحوال الغامضة . وقد يذكر حاله من غير تذكر ، وقد يتعسر ذلك مع التذكر الشديد . وذلك يدل على أن العلم الحاصل بالأمور الماضية عند التذكر بالعادة ، كما أن العلم بمخبر الأخبار يحصل بالعادة . فلذلك اختلف فيه الحال ، كما اختلفت الأحوال في المعلم بمخبر الأخبار ، لجواز وجوده عند خبر دون مثله .
فان قيل : أليس عند تذكر الدلالة ، ندعو إلى فعل العلم بالمدلول ، لا أنه يولّده ؛ ولذلك لو وردت عليه شبهة اعتقد فيها أنها في حكم ما يقدح في الدليل ، لصرفته عن العلم ؛ ولو كان متولدا ، لم يؤثر في ذلك . وليس كذلك حال النظر ، لأن العلم بالمدلول يجب وجوده عنده على طريقة واحدة عند زوال المنع .
وقد مثل شيخنا أبو علي ، رحمه اللّه ، ذلك بمن علم ، عند اجتيازه في مفازة وحاجته إلى ما تكنّه من برد أو حر ، موضعا يوقيه منهما ، أنه إذا عاد ثانيا إلى ذلك الموضع واحتاج إلى ما يخبر به عن أحد هذين ، فلا محالة لطلب الموضع الّذي ألفه وتصوره من قبل . فكذلك حال المتذكر للدلالة .
ومثله شيخنا أبو هاشم ، رحمه اللّه ، من علم بعض الهيئات تزيّا لقوم
المغني في أبواب التوحيد والعدل — صفحة 86
مساهمون: القاضي عبد الجبار الهمذاني
ص٨٦