كل مدعى للنبوة ظهرت عليه المعجزات ؛ فهو نبي ، وان كان في الابتداء لا يعلم ذلك الا بعد فكر ونظر .
وبينا ، أن المقدم على النظر طالبا به الاعتقاد ، وان لم يعلم ما الّذي يتولد عنه مفصلا ، فإنه يعلم في الجملة أنه يولد عنه الاعتقاد ، فلن يكون الا علما ، وذلك يوجب حسن الاقدام عليه .
فان قال : أليس يجب عليكم أن تعلّموا غيركم صحة النظر ، عند المنازعة فيه ؛ كما يلزمكم معرفة ذلك عند ورود الشبهة ؛ فكيف يصح أن تعرفوه بسكون النفس ؛ وذلك مما لا نعلمه من حالكم ، كما تعلمونه من حال أنفسكم ؟ وإذا تقدم ذلك ، كان لمن خالف في ذلك أن يدعى عليكم ضد ما تدعون ، ويزعم أنه يجد من نفسه خلاف ما وجدتموه من أنفسكم .
وفي ذلك ابطال إقامة الحجة على الغير ، وتعريفه الفصل بين الصحيح والفاسد . ويجب التكافى في المحاجة ، ولا فرق بين التكافى فيها والتكافى في نفس الحجة .
قيل له : انه ، تعالى ، إذا بين للمكلّف ما يتوصل به إلى معرفة ما يلزمه ، لم يؤثر في حاله أن يتعذر عليه تعريف الغير ما تقع فيه المنازعة .
فإذا صح ذلك ، وعرفنا ، من أنفسنا ، سكون النفس إلى ما أدى النظر إليه ، / كما نعلم سكون أنفسنا إلى المدركات ؛ فيجب أن نقضي بصحته ، وان خولفنا فيه ، كما قضينا بصحة علمنا بالمشاهدات مع خلاف السوفسطائية . ولو لم يصح تقدم الطريقة ، لما قامت الحجة على المكلف سيئ النية ، ولما صح معرفة الأخبار والنبوات ، لأن جميع ذلك لا بدّ من أن يرجع فيه إلى النفس .
المغني في أبواب التوحيد والعدل — صفحة 72
مساهمون: القاضي عبد الجبار الهمذاني
ص٧٢