وبعد ، فإنه يمكننا أن نعرّف الغير صحة النظر ، بأن نذكر له الوجه الّذي به عرفنا صحته ، وان كان يحتاج هو إلى أن ينظر فيعرف . لأنه يتعذر علينا أن نضطره إلى العلم ، وانما نعرّفه الأمور بأن نرقب له الدلالة وطريقة النظر ، على الوجه الّذي لو نظر فيه لعرفه ؛ ونعلم أن حاله ، كحالنا ، في أنه ان نظر علم ؛ لأن النظر ، في توليده المعرفة ، لا يختص بأن يولد في واحد دون آخر ، إذا وقع من الكل على حد واحد ؛ ونعلم أن حال غيرنا في سكون نفسه إلى ما قد نظر ، كحالنا في أنه ان نظر علم كما علمناه ؛ ونعلم أنه متمكن من النظر ، كالواحد منا ؛ فيجب أن نعرّفه صحة النظر ، من حيث علمنا من حاله ما قدمناه من الوجوه . وهذا ، كما نقول : انه يصح أن يعرف الغير أنه يعلم المدركات كما نعلم ، والمخبر عنه كما نعلم ، إذا شاركنا في الادراك وسماع الأخبار . ومتى ، أبى بعد تعريفينا الا الامتناع عن النظر فيما أوردناه من الطريقة ، لم يضر بذلك الا نفسه .
كما أن العاصي من المكلفين ، بعد إزاحة العلة / من القديم ، لا يضر الا نفسه .
وقد بينا أنه ، وان كان لا بدّ من رد الانسان إلى نفسه في هذه الأصول الضرورية التي عليها تبنى الأدلة ، فقد يمكن أن ننبه بذكر أمثال وشواهد على صحة ما نقوله ، وفساد ما يذهب إليه . وقد كشفنا ذلك عند الكلام على السوفسطائية ، ولا يجب ، إذا التبس الحال في ذلك في بعض الأوقات ، أن لا يصح ما نبهناه عليه . لأن حال القاصد والجاد والهازل ، قد يلتبس في بعض الأحوال ، ولا يمنع ذلك من صحة معرفتها في سائر الأحوال .
المغني في أبواب التوحيد والعدل — صفحة 73
مساهمون: القاضي عبد الجبار الهمذاني
ص٧٣