وقد بينا ، أن الانسان قد يعلم كون غيره معتقدا ، ويعلم ساكن النفس بتصرفه في مقتضى الاعتقاد على وجوه مخصوصة . وهذا يبين صحة تعريفنا الغير ما نعلمه من صحة النظر والعلوم . ألا ترى أنا إذا وافقناه ، فقلنا له : أتعلم صحة أمر مما نعتقده أم لا ؛ لم يمكنه أن ينفى ذلك ، كما أوردناه على السوفسطائية ؟ فإذا ثبت اعترافه بذلك ، قيل له : فيما تعلم صحة ذلك ؟ فان قال : بالنظر ، فقد دخل فيما عابه علينا ، وسلك الطريقة الصحيحة . ولا بد عند ذلك من أن يعرّف بصحة ما قلناه ، أو نقول : انه عرف صحة ذلك بطبع أو إلهام ، أو غير ذلك ، فينجيه علمه من الكلام . مثل ما سألنا في النظر . فقد بان ، ان اعترف بصحة شيء مما نعلمه ، فقد أزال عنا المئونة في هذا السؤال ؛ وان لم يعترف بذلك ، فقد لحق بأصحاب التجاهل .
فان قيل : أليس من / ادعى فساد النظر ، يمكنه أن يدعى عليكم في ذلك ، ويورد عليكم مثل ما أوردتم فيما ادعيتم من صحة النظر ؟
قيل له : ان أمكن من نفى صحة شيء من العلوم من السوفسطائية ، أن يعارضنا بمثل ما لزمه ؛ أمكن أيضا من نفى النظر المعارض .
والا فيجب أن تكون ساقطة من الوجه الّذي بيناه من قبل . فلا فرق بين من قال ذلك ، وبين من قال : إذا صح للسّمنية أن تدعى علينا في نفى العلم بمخبر للأخبار ، مثل ما ندعيه عليهم في العلم بمخبر للأخبار فيجب فساد ما ادعيناه عليهم . فإذا فسد ذلك القول فيما سأل عنه للآن ، وقد بينا أنه يعلم صحة النظر بعد حدوث الاعتقاد الّذي تسكن نفسه إليه إذا فكر واختبر حاله ، فعلم أن سكون
المغني في أبواب التوحيد والعدل — صفحة 74
مساهمون: القاضي عبد الجبار الهمذاني
ص٧٤