عبد الجبار نقض ذلك كله ، ورده إلى وجهة نظر المعتزلة الصحيحة « 1 » .
لأنه اما أن يضيق دائرة النظر ، فيصبح ولا جدوى له ، أو يقع في متناقضات لا حصر لها ، والغلو في فكرة يؤدى أحيانا إلى هدمها . وكثيرا ما أخذ المعتزلة أنفسهم بأصول ومبادي تضعهم في مآزق يعز الخروج منها ، برغم براعتهم في الجدل والمناقشة .
والعلم والمعرفة عند عبد الجبار لا يختلفان ، هما معا وليدا النظر .
والعلم بالنسبة للعباد تبين وتحقق ، ويسمى فهما وتفقها وفطنة « 2 » ، وهو على كل حال ما تسكن إليه نفس العالم ، فليس من العلم في شيء ما لا يطمئن إليه المرء ويعتقده « 3 » . وهنا يجارى عبد الجبار شيخيه الجبائيين ، وهو يؤثرهما على غيرهما بوجه عام ، فيضيّق دائرة العلم ، ويقصره على الاعتقاد .
والسوفسطائية والسمنية والشكاك جميعا لا علم عندهم ولا عقيدة لهم ، والأولى ألا نحاجهم « 4 » . والعلوم والمعارف تنقسم إلى قسمين : ضرورية ومكتسبة ، وطريقها جميعا الادراك سواء أكان حسيا أم ذهنيا « 5 » . ومن الخطأ ما يقال من « أن الحواس تقضى على العقول ، أو العقول قاضية عليها « 6 » » فان الحقائق لا تصير علما الا بعد أن تدرك ، وما الحواس الا أبواب للمعرفة « 7 » .
هامش
( 1 ) المصدر السابق ، ص 314 .
( 2 ) المصدر السابق ، ص 6 .
( 3 ) المصدر السابق ، ص 23 .
( 4 ) المصدر السابق ، ص 41 .
( 5 ) المصدر السابق ، ص 59 ، 60 .
( 6 ) المصدر السابق ، ص 57 .
( 7 ) المصدر السابق ، ص 58 .