أشرنا من قبل إلى بعض المشاكل والشبه التي حاول عبد الجبار حلها ، ولا نستطيع أن نسترسل معه في سردها خصوصا وهو لا يقف عند الشبه التقليدية التي سبق أن أثيرت ورد عليها ، بل يضيف إليها شبها أخرى تصوّرها وحاول أن يجيب عنها . فيقول مثلا لو كان النظر وحده يوجب العلم ، لم يوثق بصحته دائما ، لأن الناظر قد يجهد نفسه فيخطئ « 1 » ؛ والعقل ، وهو آلة للنظر ، عرضة للضعف والنقصان كباقي الآلات « 2 » .
وقد يعدل الناظر عن الصواب لمغنم أو مغرم « 3 » ، وكيف نثق بالنظر ونحن نغير آراءنا من حين لآخر ؟ فنعتنق مذهبا ثم نعدل عنه « 4 » ، وعبد الجبار نفسه كان في أول أمره أشعريا ، ثم أضحى معتزليا متحمسا . ومهما يكن من أمر هذه الشبه والرد عليها ، فان صاحب « المغنى » عالج موضوع النظر في غزارة وتوسع .
* * * والواقع أن هذا الموضوع استوقف الباحثين المسلمين ، فلاسفة كانوا أو متكلمين قبل عبد الجبار بنحو قرنين أو يزيد ، وتأثروا فيه بالتراث اليوناني وجدل الفرق المختلفة . وعرضوا له في غير موضع ، ولكن واحدا منهم - فيما نعلم - لم يقف عنده قدر ما وقف ولم يحلله مثلما حلل ؛ ولم يخل تحليله من شيء من المنطق وعلم النفس . ومما يلفت النظر أن أشعريا معاصرا له ، وبغداديا مثله ، قدم لكتابه له بباب في « العلم وأقسامه
هامش
( 1 ) المصدر السابق ، ص 145 .
( 2 ) المصدر السابق ، ص 152 .
( 3 ) المصدر السابق ، ص 121 .
( 4 ) المصدر السابق ، ص 198 .